بعد تسع زيارات إلى موسكو قام بها المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، آخرها الشهر الماضي، ونحو عشرين شهراً على بدء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعيه للتوسط من أجل إنهاء الحرب الأوكرانية، بات واضحاً أنه كلما ارتفعت الآمال في إمكانية تحقيق اختراق ما في الحائط المسدود، اشتد أوار الحرب واتسعت رقعتها، ودخلت فيها أسلحة جديدة وأهداف جديدة.
كييف كانت أبدت استعدادها لتقديم تنازلات واتخاذ قرارات مؤلمة لوقف الحرب، أي القبول بالتنازل عن أراض تحتلها القوات الروسية في إقليم دونباس وشبه جزيرة القرم، ثم تراجعت بعد ذلك نتيجة ضغوط أوروبية ووعود بتقديم ما يلزم من دعم عسكري يمكّنها من استرجاع أراضيها المحتلة وهزيمة روسيا.
الولايات المتحدة كانت بدورها تمارس ضغوطاً على الرئيس الأوكراني للقبول بمعظم المطالب الروسية، وتتجاهل الموقف الأوروبي وإبرام صفقة من دون الحلفاء الأوروبيين، لكن من الواضح أن الإدارة الأمريكية بدأت تتراجع ببطء عن أفكار للتسوية كانت عرضتها في إطار خطة من 28 بنداً في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تتضمن تنازلات أوكرانية عن أراض ومنع انضمامها إلى حلف الناتو مع عدم نشر قوات تابعة للحلف على أراضيها، وتخصيص 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار أوكرانيا، إذ إن واشنطن عمدت الشهر الماضي إلى فرض حزمة عقوبات جديدة على موسكو استهدفت مسؤولين روساً بارزين لهم علاقة بقطاع المحروقات والطاقة عبر فرض رسوم واسعة، وتلويح بالسماح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ باتريوت.
يومها، اعتبرت الدول الأوروبية أن الأفكار الأمريكية تمثل «استسلاماً قسرياً» للمطالب الروسية، وقررت زيادة حجم الدعم المالي والعسكري لكييف بحيث تجاوز حتى الآن 32 مليار يورو، إضافة إلى الدعم العسكري المباشر من طائرات وصواريخ وذخائر مدفعية ووسائل لوجستية واستخبارية.
في المقابل، لم تتنازل روسيا عن شروطها الأساسية لإنهاء الحرب، والتي تتمثل في الحفاظ على الأراضي التي احتلتها، وضمان حياد أوكرانيا، بل أن الصراع دخل في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة تنذر بتوسيع رقعة المواجهة بما يتجاوز خطوطها الحالية لتشمل القارة الأوروبية، بعد أن تزايدت الاتهامات الأوروبية لروسيا بالسعي للهجوم على دول في بحر البلطيق، واتهام موسكو لهذه الدول بمحاولة فرض حصار جوي وبحري على جيب كالينغراد، والتهديد باللجوء إلى الخيار النووي.
الأمين العام لحلف الأطلسي مارك روته رأى أن تلويح موسكو بالنووي نتيجة «المأزق» الذي يعانيه الرئيس الروسي بوتين، وقال خلال «قمة يورونيوز للدفاع والفضاء» التي عقدت قبل أيام في بروكسل، إن الحلف «أعد الخطط اللازمة لمواجهة أي تهديد محتمل»، وأضاف «إن الرئيس الروسي لا يمكنه الفوز أبداً على الناتو»، ونصحه بوقف الحرب. وأشاد روته بمقاومة الجيش الأوكراني «الذي يقاتل أفضل بكثير عما كان عليه قبل نصف عام.. إنه يقصف العمق الروسي، والحلفاء يقدمون الدعم العسكري اللازم».
من الواضح أن الحرب الأوكرانية ليست قابلة للتسوية في المدى المنظور، إنها تتصاعد، وتزداد خطراً، وقد يتسع مداها في أي لحظة طالما أن الأطراف المنخرطة فيها تبحث عن «المعادلة الصفرية» والنصر المطلق.