نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي في صحراء أبوظبي في توثيق صورة استثنائية لسديم كوكبي مميز يعرف باسم «سديم ثعلب النار»، بعد عمليات تصوير فلكي استغرقت أكثر من 54 ساعة، كشفت تفاصيل دقيقة للبنية الغازية والتراكيب السماوية التي تمنح هذا الجسم مظهره غير المألوف.
وتبرز الصورة الشكل الفريد للسديم، الذي يشبه إلى حد كبير شعار متصفح الإنترنت الشهير «فايرفوكس»، وهو السبب وراء إطلاق هذه التسمية عليه، فيما تكشف عمليات الرصد عن بنية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في الصور التقليدية.
لماذا يحمل السديم اسم «ثعلب النار»؟
جاءت تسمية السديم بهذا الاسم بسبب هيئته البصرية اللافتة، إذ يظهر الجزء الأكثر سطوعاً منه في صورة قوس غازي ملتف، تحيط به مناطق غازية أكثر خفوتاً، لتشكل معا ملامح قريبة من شعار «فايرفوكس».
ولا يظهر السديم في صورة حلقة منتظمة ومتجانسة كما هو الحال في عدد من السدم الكوكبية، بل يتميز بقوس شديد السطوع غني بالخيوط الغازية، يقابله جانب أكثر خفوتاً، بينما تمتد خلفه مادة غازية ضعيفة الإضاءة على هيئة ذيل طويل، بحسب ما نشره حساب مركز الفلك الدولي على موقع إكس.
سديم يبعد آلاف السنين الضوئية
يقع سديم ثعلب النار في مجموعة ذات الكرسي، على مسافة تقدر بنحو 2770 سنة ضوئية عن الأرض، ويصنف ضمن السدم الكوكبية القديمة والمتطورة.
ورغم اسمها، فإن السدم الكوكبية لا علاقة لها بالكواكب، وإنما تمثل مرحلة متقدمة من دورة حياة النجوم ذات الكتل المنخفضة والمتوسطة، ومن بينها النجوم القريبة في كتلتها من الشمس.
وفي المراحل الأخيرة من حياة هذه النجوم، تبدأ في فقدان طبقاتها الخارجية وقذفها إلى الفضاء المحيط، بينما يبقى في مركزها قلب نجمي شديد السخونة، يتطور لاحقاً إلى قزم أبيض.
حركة النجم صنعت شكله الغريب
وأوضح مركز الفلك الدولي، أن الشكل غير المتناظر للسديم يعد من أبرز خصائصه، مشيراً إلى أن تكوينه يرتبط بحركة النجم المركزي والسديم عبر الغاز المنتشر في الوسط بين النجمي.
فعندما تصطدم المادة التي يقذفها النجم إلى الفضاء بالوسط بين النجمي في اتجاه حركته، ينضغط الغاز وترتفع كثافته، ما يؤدي إلى تشكيل القوس اللامع الذي يهيمن على المشهد.
وفي الاتجاه المعاكس، تنجرف أجزاء من المادة لتشكل منطقة أكثر خفوتاً وذيلاً غازياً ممتداً، فيما تشير نماذج حاسوبية إلى أن سرعة حركة النجم بالنسبة إلى الوسط المحيط قد تصل إلى نحو 125 كيلومتراً في الثانية.
ذيل غازي يمتد في السماء
وكشفت الدراسات التفصيلية أن القوس اللامع الذي يظهر بوضوح في الصورة لا يمثل كامل بنية السديم، إذ توجد في الجهة المقابلة بنية قوسية خافتة تكمل حلقة السديم، يليها ذيل غازي واسع شديد الخفوت.
وتمتد هذه التراكيب مجتمعة لنحو 15 دقيقة قوسية في السماء، بينما تشير إحدى الدراسات إلى أن عمر السديم يقدر بنحو 22 ألف سنة.
54 ساعة كشفت تفاصيل السديم
جرى تصوير «سديم ثعلب النار» باستخدام التلسكوب الرئيسي لمرصد الختم الفلكي، الذي يبلغ قطره 14 بوصة والمزود بكاميرا أحادية اللون.
ونظرا إلى خفوت السديم ووجود التلوث الضوئي في منطقة الرصد، تطلب التقاط تفاصيله استخدام ثلاثة مرشحات ضيقة النطاق لرصد انبعاثات ثلاثة عناصر رئيسية موجودة في الغاز، هي الهيدروجين والأكسجين والكبريت.
ألوان تكشف مكونات «ثعلب النار»
وأظهرت الصورة الانبعاثات الغازية بألوان مختلفة، إذ ظهر الهيدروجين باللون الأحمر، والأكسجين بالأزرق، والكبريت باللون البرتقالي، ما ساعد على تمييز توزيع هذه العناصر داخل السديم وإظهار تفاصيل بنيته الدقيقة.
وتكشف الصورة بذلك عن شبكة معقدة من الخيوط الغازية والقوس المضيء والتراكيب الخافتة المحيطة بالسديم، وتوضح بصورة أكثر دقة كيف أسهم تفاعل المادة التي قذفها النجم مع الوسط بين النجمي، إلى جانب حركة النجم عبر الفضاء، في تشكيل الهيئة غير المتناظرة التي جعلت «سديم ثعلب النار» واحدا من الأجرام السماوية اللافتة للرصد الفلكي.