الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
ذكرى 7 أكتوبر لا تحمل جديداً.. مليونا فلسطيني يواجهون خطر التطهير الإسرائيلي

غزة: ثلاث سنوات حرب.. وأمل معلق

  • مجلس السلام معطّل و«خطة ترامب» بلا أثر
  • «قوة الاستقرار» لم تتشكل.. و«التكنوقراط» غائبة
  • 60 % من مساحة القطاع تحت سيطرة الاحتلال
  • 94 % من السكان بحاجة إلى مساعدات أساسية
  • 65 % من الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة
  • 74040 قتيلاً و175168 مصاباً حصيلة الضحايا
7 أكتوبر 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 7 أكتوبر 00:25 2026
دقائق القراءة - 7
شارك
share
icon الخلاصة icon
بعد 3 سنوات: حرب غزة مستمرة وهدنة هشة، سيطرة إسرائيلية وتدهور إنساني وقتلى بالآلاف، جمود خطة السلام وتسييس الذكرى قبيل الانتخابات
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر 2023، ولم تنته حالة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فعمليات القصف والغارات والتوغلات البرية لم تتوقف، وأعداد الضحايا الفلسطينيين في ارتفاع يومي، والأوضاع الإنسانية لم تعُد تحتمل أي توصيف سياسي أو دبلوماسي، بل باتت كارثة وجودية تطحن أكثر من مليونَي فلسطيني مازالوا يفتقرون لأبسط الاحتياجات الأساسية، من مياه صالحة للشرب، ورعاية طبية، بعد تدمير المنظومة الصحية شبه الكامل، في وقت أصاب فيه الجمود «خطة السلام»، التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولم يبدُ من «مجلس السلام» أي مؤشرات حقيقية على القدرة على تفكيك العقد المستعصية على الأرض، ليظل القطاع رهين المماطلة، وتأجيل الحلول الملموسة.
بعد ثلاث سنوات مازالت غزة تنتظر اليوم التالي. وفي السابع من أكتوبر 2026 بات وضع قطاع غزة أشبه بمستنقع معلق يتأرجح بين الهدنة الهشة والحصار الخانق، من دون إعمار يُذكر، أو أفق سياسي حقيقي، فيما يزداد المشهد الإنساني والميداني تعقيداً. وعلى الرغم من وجود اتفاق هش لوقف إطلاق النار جرى توقيعه برعاية دولية في 11 أكتوبر 2025، إلا أن مفاعيله الميدانية والسياسية تبدو متعثرة، ولم ينجح في إنهاء حالة التوتر الدائم، ولم يترجم الوعود الدولية إلى واقع ملموس يخفف من وطأة المعاناة، ولم يضمن تدفقاً حراً للمساعدات الإنسانية أو مواد البناء، بل تحول، بمرور الوقت، إلى أداة لتثبيت واقع أمني جديد يخدم مصالح إسرائيل، ويُبقي غزة معزولة عن العالم الخارجي.
(أ ف ب)فتاة فلسطينية تجلس ومعها وعاء من العدس داخل مبنى متضرر في مخيم جباليا للاجئين
(أ ف ب)فتاة فلسطينية تجلس ومعها وعاء من العدس داخل مبنى متضرر في مخيم جباليا للاجئين
العام الأول من اتفاق الهدنة مرّ كالعامين اللذين سبقاه، ولو أن حجم الاعتداءات الإسرائيلية تراجع، لكن الواقع على الأرض أبقى على حالة الحرب، وواصلت القوات الإسرائيلية بسط سيطرتها العسكرية المباشرة على نحو 60% من أراضي القطاع، وتعمدت تمزيق أوصال القطاع الجغرافية ومنع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية. ولا يزال مئات الآلاف من الغزيّين يفترشون الأرض في الخيام ومراكز الإيواء المتهالكة، في وقت غادر فيه القطاع أكثر من 100 ألف نازح إلى الخارج، أغلبهم للعلاج وسط شروط عودة معقدة وتضييق أمني خانق. وفي الذكرى الثالثة للحرب، لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالقيود اليومية، بل فرضت إغلاقاً شاملاً على كل معابر قطاع غزة بين يومي 5 و7 أكتوبر، وهو إجراء تسبب في تعليق كامل لتدفق قوافل المساعدات الإنسانية، واتخاذ هذه المناسبة ذريعة لتصعيد القصف ومحاولات الاغتيال.
وعلى الرغم من انتهاء الحرب على الورق، مازال قطاع غزة في صدارة الأحداث في المنطقة، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار. ولم تكن الأشهر الماضية سوى امتداد لمعاناة عمرها ثلاث سنوات، حيث تحول الاتفاق إلى واجهة دبلوماسية تُخفي خلفها استنزافاً يومياً ممنهجاً للقطاع وسكانه أبقى على بيئة الخوف والموت قائمة، ووفقاً للبيانات والتقارير الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فإنه منذ توقيع وقف إطلاق النار ودخوله حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025 وحتى مطلع أكتوبر 2026، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين 1454 قتيلاً، وبلغ عدد المصابين 5090، في حين نجحت الطواقم الطبية والدفاع المدني في انتشال جثامين 834 ضحية من تحت الركام خلال تلك الفترة. وبهذه الأعداد وصلت الحصيلة التراكمية الإجمالية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 وحتى مطلع أكتوبر 2026 إلى 74040 قتيلاً و175168 مصاباً، أي أكثر من 12 في المئة من سكان القطاع البالغ عددهم اليوم نحو مليونين و50 ألف نسمة، حسب بعض الإحصاءات.
وزفي ظل كثير من الخداع السياسي الذي تقوم به أطراف عدة، لم يكن العام الأول من وقف إطلاق النار الصوري إلا استكمالاً للحرب بوسائل أخرى، قد تكون أقل دموية، فعلى الأرض رسّخت إسرائيل سيطرتها على أجزاء من القطاع ووسّعتها، وتؤكد حكومتها والعناصر المتطرفة فيها عدم الانسحاب مع الإعلان عن خطط للاستيطان وتهجير السكان عندما تتهيأ الظروف المواتية. وأقامت قوات الاحتلال ما لا يقل عن 12 موقعاً عسكرياً، وتقدمت أكثر داخل القطاع متجاوزة خط الانسحاب الذي اتفق عليه الطرفان. ووضعت خطة وقف إطلاق النار نحو نصف القطاع تحت سيطرة القوات الإسرائيلية التي انسحبت إلى ما يُعرف ب«الخط الأصفر»، المتفق عليه، ما منحها السيطرة على 53 في المئة من مساحة غزة.

قوة الاستقرار الدولية متعثرة

ومن المفارقات أن «خطة ترامب» للسلام قد وضعت بنوداً لتطبيقها، لكن لم يحدث شيء من ذلك، فقد نصت على قوة استقرار دولية، لكنها لم تتشكل بعد، وقد عُيّن قائد لهذه القوة، وهو الجنرال الأمريكي، غاسبر جيفرز. وتعهدت دول عدة، بينها إندونيسيا وقازاخستان وألبانيا وكوسوفو وأوغندا، بتقديم أفراد للمشاركة فيها، لكن ذلك لم يتحقق أيضاً بسبب اعتراضات إسرائيلية، ولا مبالاة أمريكية. ومن مهام هذه القوة، التي يفترض أن تضم 20 ألف جندي، تدريب 12 ألف عنصر من الشرطة الفلسطينية، والقيام بالسيطرة على المناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل.
وبموازاة ذلك، لم يكن حظ الهيئة الفلسطينية التكنوقراطية الحاكمة أفضل من قوة الاستقرار، فهذه اللجنة الوطنية مهمتها إدارة غزة، وقد جرى تعيينها في يناير/ كانون الثاني 2026 برئاسة علي شعث، الذي شغل سابقاً منصب نائب وزير في السلطة الفلسطينية ومقرها رام الله، ولم تدخل اللجنة قطاع غزة بعد.

«الخط الأصفر» و«المنطقة البرتقالية»

تعثر «خطة السلام» سببه الرئيسي إسرائيل، التي بقيت تهندس في قطاع غزة لإحباط أي خطة للسلام. ومع رسمها «الخط الأصفر» أنشأت أيضاً «منطقة برتقالية» يحظر الوصول إليها، أو يقيّد، ويُطلب من الفلسطينيين ومنظمات الإغاثة فيها تنسيق تحركاتهم مع الجيش الإسرائيلي. كما أقامت حواجز ترابية كبيرة جديدة، يمتد بعضها إلى مسافة تقارب ميلاً خلف الخط الأصفر. وبُنيت ستة مواقع عسكرية جديدة في هذه المنطقة بعد وقف النار، عدد كبير منها فوق أنقاض منازل وقرى.
وعلى الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، أصبحت أجزاء كبيرة من غزة شبه خالية من السكان. وقد هدمت القوات الإسرائيلية آلاف المباني هناك منذ بدء الهدنة، جزئياً، في إطار محاولاتها تدمير شبكة الأنفاق التابعة ل«حماس» تحت الأرض. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية مواقع عسكرية إسرائيلية جديدة على طول محيط «الخط الأصفر»، مع طرق معبّدة حديثاً، ومنشآت عسكرية في أماكن كانت تشغلها أنقاض مبانٍ قبل وقف النار.
ومع توسع الاحتلال الإسرائيلي داخل القطاع، اضطر السكان إلى التكدس في مساحة أصغر، حيث تعاني المساكن أصلاً نقصاً حاداً بعد عامين من الحرب المدمرة. وتعقّد الوضع أكثر بسبب المنطقة البرتقالية الواقعة خلف «الخط الأصفر». ويتعين على المنظمات الإنسانية والسكان تنسيق تحركاتهم مع إسرائيل قبل عبورها، فيما لا يزال بعض الفلسطينيين يعيش فيها على الرغم من المخاطر.
كما تواصل القوات الإسرائيلية تفجير مبانٍ في هذه المنطقة على الرغم من الهدنة. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية تسوية أكثر من 100 مبنى بالأرض جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع بين أواخر أغسطس، وأوائل سبتمبر الماضيين.

وضع إنساني متدهور

مع دخول غزة عامها الرابع من الحرب، والثاني بعد الهدنة، لا تزال الأزمة الإنسانية تُثقل كاهل السكان، إذ يحتاج 94% من السكان إلى مساعدات في مجال السكن والاحتياجات الأساسية، ويعيش 65% من الأسر في خيام، أو ملاجئ مؤقتة، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.
وفي وجه آخر للمأساة، مازال الأطفال يعانون، وفي الفترة الأخيرة، نشر مركز «حماية» لحقوق الإنسان بيانات صادمة حول انتهاكات إسرائيل لحقوق الأطفال في قطاع غزة منذ بداية الحرب، فقد قُتل أو جُرح الآلاف، وحُرم مئات الآلاف من أبسط حقوقهم. وفي بيان بعنوان «جيل تحت الهجوم»، أفاد المركز بأن موظفيه العاملين في غزة سجلوا وفاة 21745 طفلاً دون سن 18 عاماً منذ بداية الحرب. كما سُجلت إصابات لنحو 46000 طفل، من بينهم 11000 طفل استدعت حالتهم بتر الأطراف السفلية. وبحسب المركز، يتجاوز أثر الحرب في أطفال غزة الموت والإصابات الجسدية بكثير. فمع استمرار تدهور الوضع الإنساني في القطاع، يواجه الأطفال الجوع والمرض والنزوح، ويُحرمون من الرعاية الصحية والتعليم، والسكن اللائق.

الجوع وسوء التغذية

ولقي 123 طفلاً حتفهم جراء سوء التغذية والجفاف خلال الحرب، بينما سُجلت 293 حالة وفاة أخرى بين حديثي الولادة والخدج، وسط انهيار النظام الصحي وانقطاع التيار الكهربائي، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. وأفادت المنظمة بأن نحو 700 ألف طفل حرموا من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق، في حين عانى نحو 300 ألف طفل دون سن الخامسة سوء التغذية والجوع. كما يواجه الأطفال خطر الأوبئة والأمراض المعدية، فضلاً عن خطر النزوح القسري، والاحتجاز، وعمالة الأطفال. وتُفاقم هذه الظروف التداعيات الإنسانية والاجتماعية والنفسية للحرب على جيل كامل من الأطفال، وهي حالة غير مسبوقة في العصر الحديث، وجريمة لن تسقط مهما أفلت صناعها من العقاب.
اليوم تدخل غزة العام الرابع من أزمتها الطاحنة، التي لم تعد تفاصيلها مجرّد أرقام تُحصى في سجلات الضحايا، أو بنود تُناقش في أروقة المنظمات الدولية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للضمير الإنساني العالمي. وفي ظل جمود المبادرات السياسية وتلاشي الوعود الدولية، يضع استمرار هذا الوضع الكارثي القطاع أمام أفق مسدود يُهدد بما هو أسوأ. وفي غياب إرادة دولية حازمة لفرض حل عادل وفوري، واستمرار الغطرسة الإسرائيلية والتلكؤ الأمريكي، سيبقى أكثر من مليوني فلسطيني يدفعون من حياتهم اليومية ثمن الحلول المؤجلة والصراعات المفتوحة، لينتظر القطاع غداً لا يحمل سوى مزيد من الترقب، والأمل المعلق.

ورقة مساومة انتخابية لنتنياهو

تحل ذكرى 7 أكتوبر قبل ثلاثة أسابيع من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع في انتخابات مصيرية بالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والتيار المتطرف في حكومته.
ورغم مرور ثلاث سنوات يصر نتنياهو على رفض تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، بذريعة أن ذلك يكون بعد أن تنتهي الحرب، التي لا يريد لها أن تنتهي، ويحاول التنصل من أي التزام بهذا الشأن، إما بالتلكؤ، وإما بمحاولة فتح جبهات جديدة مثل لبنان وإيران. وهناك اعتقاد بأن قضية السابع من أكتوبر قد تحسم الصراع في هذه الانتخابات، التي يخوضها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت منافساً لنتنياهو، مستنداً إلى خطاب يركز على الكفاءة والنزاهة الشخصية وضرورة التحقيق المستقل.
وفي المقابل، مازال المعسكر الحكومي يريد المساومة بهذه القضية، وزعم نتنياهو أن حماس ستحاول تحدي إسرائيل قبل الانتخابات الإسرائيلية، التي ستجري في 27 أكتوبر الجاري.

تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل

يتآكل التأييد الشعبي الأمريكي التقليدي لإسرائيل على وقع الحرب على قطاع غزة منذ 3 سنوات. وتظهر استطلاعات رأي عديدة وصول النظرة السلبية تجاه إسرائيل إلى مستويات تاريخية بين مختلف فئات الناخبين.
وقال المحلل البريطاني الإسرائيلي دانيال ليفي، رئيس منظمة «مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط» لوكالة الأناضول إن «ما نشهده في الولايات المتحدة أمر غير مسبوق». وأضاف أن الناخبين، من مختلف التوجهات الأيديولوجية، باتوا «يتساءلون عما إذا كانت هذه العلاقة (الدعم) تخدم أمريكا ودافعي الضرائب الأمريكيين والأمن القومي الأمريكي». ورأى أن التمويل الواسع للحملات الانتخابية، وجماعات الضغط المؤسسية، وتركز ملكية وسائل الإعلام، أسهمت في عزل المشرعين عن التحول الجاري في المزاج الشعبي تجاه إسرائيل.
وتابع أن هذا التباين يثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة واشنطن على مواصلة سياسات تتعارض مع الاتجاه العام للرأي العام الأمريكي.
نازحون يحاولون الحصول على طعام من أحد مراكز توزيع المساعدات
نازحون يحاولون الحصول على طعام من أحد مراكز توزيع المساعدات
متظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في كيب تاون بجنوب إفريقيا (رويترز)
متظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في كيب تاون بجنوب إفريقيا (رويترز)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة