تدخل البرازيل مرحلة سياسية حاسمة حول دورها وموقعها وخياراتها وبما يتجاوز حدودها كواحدة من أكبر دول أمريكا اللاتينية مساحة واقتصاداً وتأثيراً. فالانتخابات التي جرت يوم الأحد الماضي لاختيار الرئيس الجديد لم تحسم النتيجة التي جاءت مخالفة لكل استطلاعات الرأي التي كانت رجحت تفوق الرئيس لولا دي سيلفا على منافسه السيناتور فلافيو بولسونار نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
يدخل لولا دي سيلفا وبولسونارو جولة ثانية من السباق الرئاسي يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي بعد أن فشل كلٌ منهما في الحصول على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة (أكثر من 50 في المئة)، إذ حصل بولسونارو على 47.03 في المئة من الأصوات، فيما حصل لولا دي سيلفا على 45.16 في المئة.
يذكر أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت نحو 78.9 في المئة، في حين وصلت نسبة الامتناع إلى 21.08 بالمئة، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1998، ذلك أن التصويت يعد إلزامياً قانونياً للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و70 عاماً، من أصل 158.7 مليون مسجلين.
إلى جانب انتخابات الرئاسة، يتم انتخاب أعضاء مجلس النواب (الغرفة السفلى للكونغرس) وحكام الولايات الـ 26 ومجالسها التشريعية، بنظام الجولتين نفسه، وفي المواعيد نفسها.
المنافسة بين الرئيس الحالي لولا دي سيلفا (80 عاماً) الذي يسعى للرئاسة للمرة الرابعة غير المتوالية، وفلافيو بولسونارو (45 عاماً) تتمحور حول الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية المتعارضة التي تشكل توجهات سوف تحدد مستقبل البرازيل في حال فوز أي منهما.
قال بولسونارو بعد إعلان نتائج الجولة الأولى «البرازيل تريد التغيير.. سعيد جداً بالنتائج»، معلناً «نهاية حزب العمال» الذي يقوده لولا، فيما خاطب الأخير حشداً من مؤيديه بأنه كان مقتنعاً بالفوز من الجولة الأولى، وقال «ابتداءً من الغد، نبدأ حملة جديدة»، متعهداً بأن يُبلغ الناخبين بما أنجزه خلال رئاسته.
يخوض لولا دي سيلفا الانتخابات ببرنامج يمنح الدولة دوراً واسعاً في الاستثمار والبنية التحتية والسياسة الصناعية والبرامج الاجتماعية التي تخدم الفقراء والطبقة المتوسطة، مع زيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة، بينما يخوض بولسونارو مرشح الحزب الليبرالي الانتخابات ببرنامج يميل إلى تقليص حجم الجهاز الحكومي، وخفض الإنفاق، ووضع سقف جديد للمصروفات، إلى جانب استئناف الخصخصة، ومنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الإقتصاد، ويتضح من ذلك أن هناك رؤيتين مختلفتين لدور الدولة، إذ إن برنامج لولا يعتمد على الدولة باعتبارها محركاً للاستثمار والنمو، من خلال برامج اجتماعية ومشروعات بنية تحتية وسياسة صناعية نشطة، أما بالنسبة لبولسونارو فإنه يربط التوجه الاقتصادي بتقليص دور الدولة وتوسيع الخصخصة وتبني سياسات أقرب للسياسات الاقتصادية الأمريكية.
وسط هذا التجاذب بين نهجين وسياستين، فإن ظِل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان حاضراً خلال الحملات الانتخابية وفي صناديق الاقتراع، فالرئيس الأمريكي رغم عدم إعلانه صراحة تأييده للمرشح اليميني بولسونارو، إلا أنه يرى أن لولا دي سيلفا اليساري يشكل عائقاً أمام صعود اليمين وتنامي النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وفي حال فوز بولسونارو بالرئاسة فهذا يعني أنه يُلحق البرازيل بالأرجنتين وكولومبيا وبوليفيا والبيرو وفنزويلا كـ«حديقة خلفية» للولايات المتحدة، ويبعدها عن مسارها السياسي الحالي، وارتباطها بمجموعة «البريكس».