أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديراً لجهودها في تعزيز القانون الدولي والدفاع عن حقوق الإنسان.
لماذا فازت نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام 2026؟
من جنوب إفريقيا التي عاشت تحت نظام الفصل العنصري، إلى أروقة المحاكم الدولية وملفات حقوق الإنسان، صنعت القاضية نافي بيلاي مسيرة استثنائية انتهت بإعلان تتويجها اليوم الجمعة بجائزة نوبل للسلام لعام 2026.
وأشارت لجنة نوبل إلى إسهام بيلاي في تطوير منظومة قانونية دولية أكثر شمولاً، ودورها في دعم ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، فضلاً عن تمسكها بمبادئ المساءلة واستقلال القضاء.
«ما زلت أريد التحقق من الخبر».. رد فعلها على الفوز
لم تستقبل بيلاي خبر فوزها بالجائزة بتصديق فوري؛ إذ قالت، في تعليقها الأول، إنها تريد التحقق من صحة الخبر، مازحة بأن المحامية والقاضية تحتاج إلى التأكد من المعلومات قبل التسليم بها.
وجاء رد فعلها خلال وجودها في منتدى نورمبيرغ، وهو تجمع يناقش القانون الدولي في المدينة الألمانية التي ارتبط اسمها بمحاكمات كبار مجرمي الحرب النازيين بعد الحرب العالمية الثانية.
نافي بيلاي..طفولة في ظل الفصل العنصري
وُلدت نافانيثيم «نافي» بيلاي في 23 سبتمبر 1941، بمدينة ديربان في جنوب إفريقيا، داخل أسرة من أصول هندية تاميلية، في وقت كان فيه نظام الفصل العنصري يفرض التمييز على أساس العرق ويقيد حقوق قطاعات واسعة من السكان.
ولم يكن مسارها المهني منفصلاً عن واقع بلدها، فقد بدأت حياتها العملية في وقت كانت فيه السلطات تلاحق معارضي نظام الفصل العنصري، لتصبح لاحقاً واحدة من الشخصيات القانونية البارزة.
كيف صنعت نافي بيلاي تاريخها في المحاماة؟
درست بيلاي في جامعة ناتال بجنوب إفريقيا، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1963، ثم شهادة القانون عام 1965.
وفي عام 1967، افتتحت مكتبها الخاص للمحاماة في إقليم ناتال، لتصبح أول امرأة سوداء تفتتح مكتب محاماة في الإقليم، وفقاً لسيرتها المنشورة في أرشيف تاريخ جنوب إفريقيا.
وخلال عملها محامية، تولت الدفاع عن ناشطين مناهضين للفصل العنصري، وسلطت الضوء على ممارسات التعذيب والحبس الانفرادي التي تعرض لها معتقلون سياسيون.
هارفارد.. محطة جديدة في مسيرتها العلمية
لم تتوقف طموحات بيلاي عند حدود الممارسة المهنية، بل واصلت دراساتها العليا في الولايات المتحدة، حيث حصلت على درجة الماجستير في القانون من جامعة هارفارد عام 1982، ثم نالت درجة الدكتوراه في العلوم القانونية عام 1988.
ومع الجمع بين الخبرة العملية والتأهيل الأكاديمي، اتسع نطاق عملها ليشمل القانون الدولي والقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، وهي مجالات أصبحت لاحقاً محوراً رئيسياً في المناصب القضائية التي تولتها.
أول قاضية سوداء في المحكمة العليا بجنوب إفريقيا
بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، عُينت بيلاي قاضية بالإنابة في المحكمة العليا بجنوب إفريقيا عام 1995، لتصبح أول امرأة سوداء تتولى هذا المنصب في البلاد.
وقد مثّل تعيينها تحولاً مهماً في مسيرتها، إذ انتقلت من موقع المحامية التي تترافع أمام المحاكم إلى موقع القاضية التي تفصل في القضايا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة على المستوى الدولي في العام نفسه.
محكمة رواندا.. القضية التي غيرت فهم جرائم العنف
كانت رواندا واحدة من أبرز المحطات في مسيرة نافي بيلاي، ففي عام 1995، اختارتها الجمعية العامة للأمم المتحدة للعمل قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي نظرت في الجرائم المرتبطة بالإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994.
وشغلت المنصب لمدة 8 سنوات، من بينها 4سنوات رئيسة للمحكمة بين عامي 1999 و2003، وكانت المرأة الوحيدة بين قضاة المحكمة خلال السنوات الأربع الأولى من عملها.
وبرز دورها في محاكمة جان بول أكايسو، المسؤول الرواندي الذي ارتبطت قضيته بتطور قانوني تاريخي؛ إذ أقر الحكم الصادر عام 1998 بأن الاعتداء الجنسي يمكن أن يشكلا أفعالاً من الإبادة الجماعية إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة.
المحكمة الجنائية الدولية.. من رواندا إلى قضايا العالم
في عام 2003، انتقلت بيلاي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث عملت قاضية ضمن دائرة الاستئناف حتى عام 2008، والتي تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاصها، من بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفقاً لنظامها الأساسي.
نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
في سبتمبر 2008، تولت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واستمرت فيه حتى عام 2014.
وخلال هذه الفترة، اضطلعت بمسؤولية قيادة العمل الحقوقي داخل المفوضية، في ظل أزمات ونزاعات شهدت اتهامات بانتهاكات واسعة، كما دافعت عن ضرورة التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف النزاعات ومساءلة المسؤولين عنها.
وكانت رؤيتها تقوم على أن حماية حقوق الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدول أو تتأثر بمكانة الحكومات، وأن تطبيق المعايير القانونية يجب أن يشمل الجميع.
فلسطين وغزة.. محطة بارزة في مسيرة نافي بيلاي
ارتبط اسم نافي بيلاي في السنوات الأخيرة بعملها في لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل.
وتولت رئاسة اللجنة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2021، واستمر عملها تحت رئاستها حتى عام 2025.
وفي تقرير صدر عام 2025، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، مستندة إلى تقييمها للأدلة والوقائع التي تناولها التقرير، ورفضت إسرائيل هذه النتيجة وانتقدت التقرير بشدة.
دورها في قضية الإبادة الجماعية ضد ميانمار
إلى جانب عملها في ملفات حقوق الإنسان وفلسطين، تولت بيلاي منذ عام 2019 مهمة قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية ضمن القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار، والمتعلقة باتهامات بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بحق أقلية الروهينغا.
وتختلف محكمة العدل الدولية عن المحكمة الجنائية الدولية؛ فالأولى تنظر في النزاعات القانونية بين الدول، بينما تختص الثانية بمحاكمة الأفراد عن جرائم دولية محددة.
ويبرز هذا الدور امتداد خبرتها من محاكمة الأفراد إلى النظر في المسؤولية القانونية للدول، في قضايا تتعلق بأشد الجرائم خطورة في القانون الدولي.