ليس ضرورياً أن كل مَن يفقد عقله أن يفقد قلبه أيضاً، والدليل على ذلك أنه حتى المجنون يستطيع أن يحب وإن لم يفكر فعلياً في ذلك، فالقلب لا يحتاج البتة إلى العقل في معظم الأحيان، لأنه يستطيع أن يقرر بذاته ويحافظ على نبضة الكيان، لكن من الضروري جداً أن كل من يفقد قلبه أن يفقد عقله حتماً، والدليل القاطع هنا أن المجنون هو مَن لا يستطيع أن يحب، أليس كذلك؟ فالعقل لا يستغني عن القلب أبداً، وإن استغنى القلب عن العقل كثيراً، لأنه إذا تجرَّد التفكير من الإحساس سيكون الحال بمثابة انتحارٍ بطيء للدماغ، فلا شيء إطلاقاً يحل مكان الفؤاد لملء ذلك الفراغ، باختصار، إن عدم استخدام القلب للعقل يجعل الإنسان هشاً، بينما عدم استخدام العقل للقلب يجعل الإنسان وحشاً، والفرق بينهما يفوق المعقول واللامعقول، تماماً كالفرق بين القاتل والمقتول.
كان نوتكر بالبولوس موسيقياً وشاعراً، كان يدرك أهمية دور الموسيقى، ولكنه لم يستوعب يوماً ماهية آلات التصوير أو كيفية التسجيل، لأنه لم يكن آنذاك من أبناء هذا الجيل، فقد وُلد في فترة الضلال والانحلال والاضمحلال والتضليل، وسط حقبة الإذلال والانعزال والعذاب الطويل، المعروفة باسم «العصور الوسطى» أو الزمن الأسود والمظلم، هكذا جاء نوتكر بالبولوس الملحن السويسري المتلعثم، كالفارس الشجاع والمنقذ المغوار المتلثم، الفتى المتماسك المسالم والهادئ المتأقلم، والصبور الجسور والفخور المتألم، والمجتهد المثابر والدؤوب غير المستسلم، والخبير المعلم والتلميذ المتعلم، ولكن نوتكر في الحقيقة لم يكن ذلك الشخص الفصيح البليغ المتكلم، ربما لابتعاده عن القيل والقال، ومعاناته مع لسانه الثقيل، وتفضيله لسكينة باله المستقيل، حتى أصبحت دائرة حياته كالمستطيل، من كثرة الأساطير وقصص الأساطيل، وتفشي حمى اللهو واللغو والأباطيل، وانتشار لغة الفساد والكساد والتعطيل، وخرافة البطولة بين البطالة والتبطيل.
اعتمد نوتكر في إنتاج أعماله على مبدأ الحرية، ابتداء من موسيقى آلة القيثارة الوترية، وانتهاء بآلة السيمفوني الأثرية، والتي عفا عليها الزمن، بعدما قدم أجمل معاني اللحن، ومن أشهر مؤلفاته «القلب السعيد»، لعلنا ندرك اليوم سبب الفارق، بين الحب بالقبول والحب بالفيالق، وهكذا لا تزال علامات الاستفهام تهاجر فوق رؤووسنا مثل سربٍ من اللقالق.
الاسم: نوتكر بالبولوس
التاريخ:
(840 – 912) 72 سنة
الجنسية:
سويسري
النشاط:
موسيقي
من أعماله:
Prosa Dilecte Deo Galle