الشارقة: محمود الكومي
لم يعد الذكاء الاصطناعي ضيفاً جديداً على التعليم، بل أصبح جزءاً من تفاصيله اليومية، من إعداد المحتوى والبحث إلى الكتابة والتقييم. ومع اتساع حضوره، يبرز سؤال الأمن اللغوي: هل تستطيع العربية الاستفادة من هذه الثورة التقنية من دون أن تفقد حضورها في تفكير الأجيال الجديدة وكتابتها وهويتها؟
ويرى خبراء ومختصون أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي قدرة المؤسسات التعليمية على توظيفها لتعزيز مهارات الطالب والمعلم، مع بناء منظومة تحمي العربية وتواكب التطور.
يؤكد د. امحمد صافي المستغانمي، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة، أن الذكاء الاصطناعي «وسيلة وليس غاية»، ويمكن توظيفه لخدمة العربية وتعزيز حضورها إذا استند إلى استراتيجيات وتخطيط لغوي واضح.
ويرى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الانفتاح المعلوماتي، وإنما في الطالب الذي لا يمتلك تأسيساً لغوياً وهوياتياً قوياً، فينفتح على اللغات والثقافات الأخرى على حساب لغته الأم وحضارته وشخصيته.
أما الطالب المتمكن من لغته وهويته، فيمكنه الاستفادة من الانفتاح العالمي من دون أن يفقد ارتباطه بالعربية.
الآلة بديلاً عن الطالب
ومن الهوية إلى الفصل الدراسي، يحذر د. إبراهيم العموش، من أكاديمية الشارقة للتعليم، من أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن الطالب بدلاً من أن يكون أداة للتعلم.
ويؤكد أن دور المعلم هو تمكين الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي في النقاش وطرح الأسئلة والتحقق من المعلومات، مع بقاء التفكير وصياغة الإجابة مسؤولية الطالب نفسه. أما الاكتفاء بطرح السؤال على الأداة ونسخ الإجابة، فيؤدي إلى إضعاف المستوى التعليمي والمهارات التي يفترض أن يبنيها الطالب.
وبذلك، فإن حماية الأمن اللغوي تبدأ من بناء متعلم قادر على التفكير والتعبير وإنتاج المعرفة، وليس مجرد مستهلك لما تنتجه الآلة.
المعلم.. مستفيد
وفي المقابل، ترى د. رانة نزال، خبيرة تطوير مدارس في منصة هيئة الشارقة للتعليم الخاص، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز دور المعلم إذا أحسن توظيفه.
وتوضح أن الأدوات الذكية تساعد المعلم على متابعة مستويات القراءة لدى الطلبة، وتقديم تغذية راجعة ووضع خطط علاجية أكثر دقة، كما أن تطور ما وصفته ب«الموجة الثانية» من الذكاء الاصطناعي، القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، قد يتيح إنشاء مساعدين يتولون مهام التخطيط والتحضير والتنظيم والرصد والتقييم تحت إشراف المعلم.
وبذلك يتحرر المعلم من بعض المهام الروتينية ليركز على مهارات التفكير العليا والإبداع والتحليل والتفاعل مع النصوص.
مواكبة العصر
وتنتقل مسؤولية الأمن اللغوي إلى الجامعة، حيث تؤكد د. مريم سعيد بالعجيد، أستاذ مشارك في النحو واللغة بجامعة الشارقة، ومدير منتدى اللغة والنحو العربي، أن الجامعات من أهم المؤسسات القادرة على خلق أمن لغوي فاعل، لما لها من أثر بعيد في صناعة الطلبة ورفد المجتمع بالكفاءات.
وترى أن أقسام اللغة العربية مطالبة بتحقيق توازن بين حماية الهوية اللغوية ومواكبة الرقمنة، من خلال تخطيط لغوي منهجي وسياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تحدد «متى؟ وأين؟ وكيف؟ ولماذا؟».
وتشدد على أهمية توجيه البحث العلمي نحو تمكين الطلبة من العربية معرفة وممارسة، وتطوير التطبيقات اللغوية وحوسبة علوم اللغة، بما يسخر الذكاء الاصطناعي لتطوير قدراتهم البحثية، مع الحفاظ على سلامة العربية كتابة ومحادثة.
من المبادرات إلى الحوكمة
ولا تكتمل حماية العربية، وفق د. عيسى الحمادي، من المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة، من دون منظومة عربية متكاملة للأمن اللغوي الرقمي.
العالم يقدم نماذج
وتضيف د. ماجدالينا ليفيتسكا، من أكاديمية اللغات الأجنبية في تورون ببولندا، البعد الدولي، مؤكدة أن الأمن اللغوي أصبح جزءاً من الأمن القومي والثقافي، وأن حماية اللغة مسؤولية تشترك فيها الحكومات والمؤسسات التعليمية والمجتمعات.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون فرصة تاريخية لتطوير تعليم العربية وحوسبتها ونشرها، لكنه يحتاج إلى طالب متمكن، ومعلم واعٍ، وجامعة تضع سياسات واضحة، ومؤسسات تعمل على بناء حوكمة لغوية رقمية.