أكد خبراء ومتخصصون في الذكاء الاصطناعي أن الاستعداد لسوق العمل لم يعد مرتبطاً بإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي أو مهارات البرمجة وحدها، بل أصبح يتطلب امتلاك الخريجين قدرة عملية على توظيف هذه التقنيات داخل بيئات العمل، والتحقق من مخرجاتها، وفهم حدودها ومخاطرها، وتحديد المهام التي يمكن إسنادها إليها وتلك التي تستوجب تدخلاً بشرياً.
وأشاروا إلى أن حظر استخدام أدواته داخل الجامعات قد يؤدي إلى انتقال الخريجين إلى سوق العمل، من دون الخبرة اللازمة لاستخدامها بصورة مسؤولة وآمنة.
تقول أمل دمشقي المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا Turnitin «الجامعات تضطلع بدور محوري في إعداد الخريجين لدخول سوق العمل وهم يمتلكون فهماً عملياً للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن هذا الفهم يتجاوز معرفة الأدوات أو إتقان صياغة الأوامر إلى القدرة على تقييم المخرجات والتحقق من دقة المعلومات وإدراك أوجه القصور والتحيزات المحتملة. والطالب يحتاج أيضاً إلى معرفة الحالات التي يكون فيها الذكاء الاصطناعي أداة مناسبة والحالات التي تستدعي اتباع نهج مختلف، مع الوعي بالقيم الأخلاقية والشفافية في الإفصاح عن متى وكيف جرى استخدام هذه التقنيات.
ورأت أن التعامل الجامعي مع الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا ينحصر بين خيارين يتمثلان في الحظر الكامل أو الإتاحة بلا قيود، موضحة أن طبيعة الاستخدام المقبول تختلف وفقاً للتخصص والمرحلة التعليمية والهدف من المهمة الأكاديمية.
وأشارت إلى أنه يمكن السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار في مهمة معينة أو للتدقيق اللغوي وتقديم ملاحظات بشأن بنية المحتوى في مهمة أخرى، بينما تظل هناك مهام ينبغي أن يثبت الطالب عبرها قدرته على إنجاز العمل باستقلالية كاملة.
وشدّدت على ضرورة بقاء التعلم الحقيقي غاية أساسية للعملية التعليمية، بحيث تستخدم أدوات الكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي كونها أحد المؤشرات ضمن منظومة أوسع للنزاهة الأكاديمية، وليس معياراً وحيداً للحكم على أداء الطالب.
إرشادات عملية
وأكدت أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتحويل سياساتها العامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى إرشادات عملية وواضحة تساعد أعضاء الهيئات التدريسية على تطبيقها، بالتوازي مع تعزيز التعاون مع جهات العمل لفهم الكيفية التي تستخدم بها المهن المختلفة هذه التقنيات، بما يساعد الجامعات على تطوير المناهج وطرائق التقييم وفق المهارات التي سيحتاج إليها الخريجون فعلياً.
وأوضحت أن حلولاً مثل Turnitin Clarity يمكن أن تمنح أعضاء الهيئات التدريسية رؤية أوضح لمسار التعلم ومرونة أكبر في تحديد أوجه استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن الهدف النهائي يجب أن يتمثل في تخريج طلاب قادرين على تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز التفكير النقدي وحسن التقدير والإبداع والمعرفة التخصصية وليس استخدامه بديلاً لها.
وقال رولاند بولس، نائب الرئيس لاستشارات الحلول واستراتيجية طرح المنتجات في الأسواق لدى «يونيفاي آبس»: إن التفكير قد يتجه في البداية إلى اعتبار صياغة التعليمات الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي المهارة الأهم بالنسبة للخريجين، إلا أن التركيز عليها ليس الخيار الأمثل في ظل التطور المتسارع للأدوات التقنية وتغيرها بصورة مستمرة.
وأضاف أن القيمة الحقيقية تكمن في قدرة الخريج على فهم العمل بوصفه منظومة مترابطة وتقسيمه إلى مراحل واضحة وتحديد المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تسريعها مقابل المهام التي تحتاج إلى الخبرة والتقدير البشري، إلى جانب فهم كيفية تكامل أدوار الإنسان والآلة عبر مراحل إنجاز العمل المختلفة. وأشار إلى أهمية امتلاك الخريجين مهارات فهم البيانات وتحليلها واعتماد منهجية دقيقة للتحقق من صحة النتائج، فضلاً عن فهم كيفية تنسيق العمل بين الأنظمة والأدوات المختلفة، في وقت لم يعد فيه الذكاء الاصطناعي مجرد أداة منفردة يلجأ إليها الموظف لإنجاز مهمة محددة، وإنما أصبح جزءاً متزايد الأهمية من منظومات العمل المتكاملة.
ولفت إلى أن حظر استخدام الذكاء الاصطناعي قد يثير كذلك إشكالية تتعلق بتكافؤ الفرص بين الطلاب، إذ يمكن أن يمنح من يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بعيداً من أعين المشرفين أفضلية على زملائهم الملتزمين بالقواعد، بينما تتجه المؤسسات الكبرى إلى نموذج مختلف يقوم على تنظيم الاستخدام بدلاً من منعه، عبر وضع ضوابط واضحة وتوثيق العمليات وإتاحة إمكانية تتبعها ومراجعتها والتحقق من النتائج.
العمل بفاعلية
وقال ألما نوميتش، نائب الرئيس والمدير العام لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في «إنفوبيب»: الجاهزية لسوق عمل يقوده الذكاء الاصطناعي لم تعد مرهونة بمهارات البرمجة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على فهم كيفية العمل بفاعلية مع هذه التقنيات والاستفادة منها.
وأوضح أن الخريج يحتاج إلى القدرة على تحديد المجالات التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيق قيمة حقيقية فيها ومعرفة كيفية تزويد أنظمته بالسياق المناسب وتوجيهها بتعليمات واضحة ودقيقة، فضلاً عن إدراك اللحظة التي يصبح فيها تدخل الإنسان وتقديره ضرورياً.
وأضاف أن التحقق من المخرجات ورصد المعلومات غير الموثوقة وفهم قضايا الخصوصية والأمن والتحيز أصبحت جميعها من المهارات الأساسية، لأن تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي في سير العمل يجعل الجمع بين القدرة على استخدام هذه التقنيات والمعرفة التخصصية والتفكير النقدي وتحمل المسؤولية أكثر أهمية بالنسبة للخريجين.
وأشار إلى أن المخاوف الجامعية المرتبطة بالنزاهة الأكاديمية والإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مشروعة، إلا أن الحظر لا يهيئ الطلاب لواقع مهني ستكون فيه هذه التقنيات جزءاً مهماً من آليات إنجاز المهام، ما يستدعي التركيز على تعليم الاستخدام المسؤول من دون إضعاف قدرة الطلاب على التفكير المستقل. واتفق الخبراء على وجود فجوة بين الطريقة التي يجري بها التعامل مع الذكاء الاصطناعي في بعض البيئات الجامعية واستخدامه الفعلي داخل المؤسسات، موضحين أن المسألة لا تتعلق بسرعة تحديث المناهج فقط، وإنما باختلاف طبيعة الاستخدام نفسها، ففي البيئة الأكاديمية يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مادة دراسية مستقلة أو أداة لتنفيذ مهمة محددة، بينما يدخل في المؤسسات ضمن منظومة تشغيلية أوسع تتشابك فيها البيانات والأنظمة والأمن والحوكمة وإجراءات العمل، وقد تتعاون عدة أنظمة ذكية في تنفيذ عملية واحدة، مع وجود متطلبات للرقابة والمراجعة وقياس النتائج.
توسيع النطاق
وقال إن تقليص هذه الفجوة يتطلب توسيع نطاق المشروعات التطبيقية وإتاحة حالات استخدام واقعية للطلاب تحاكي التحديات التشغيلية التي سيواجهونها في وظائفهم، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وأصحاب العمل.
وأضاف: لم يعد المطلوب من كل خريج أن يصبح متخصصاً تقنياً أو مبرمجاً، بقدر ما أصبح مطلوباً منه فهم إمكانات هذه الأنظمة وحدودها والتعامل النقدي مع مخرجاتها وإدراك مخاطر الخصوصية والتحيز والأمن، فضلاً عن القدرة على دمجها في مجال تخصصه من دون التخلي عن مسؤوليته المهنية أو حكمه البشري.
كما تكشف آراء الخبراء عن تحول في السؤال الذي تواجهه الجامعات من السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي أو منعه إلى كيفية إعادة تصميم التعليم والتقييم في عصر أصبح فيه الوصول إلى هذه الأدوات واقعاً قائماً، بحيث يستطيع الطالب إثبات معرفته وقدرته على التفكير المستقل وفي الوقت نفسه اكتساب خبرة عملية في استخدام التكنولوجيا التي سيجدها لاحقاً داخل بيئة العمل.
وتضع هذه التحولات الجامعات أمام تحدّ يتمثل في تحقيق توازن بين حماية النزاهة الأكاديمية وإعداد الطلاب للواقع المهني الجديد، وهو ما يدفع باتجاه سياسات أكثر مرونة تقوم على تحديد الاستخدام المقبول وفق طبيعة المهمة والهدف التعليمي ودرجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، مع تعزيز الشفافية والتحقق والمساءلة بدلاً من الحظر الشامل.