بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في مقابلات التوظيف الهاتفية يثير رد فعل متزايداً بين الباحثين عن عمل، إذ يقول بعض المرشحين إنهم باتوا يرفضون إجراء مقابلات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي، فيما ينسحب آخرون من عمليات التوظيف أو يقررون استبعاد شركات من قائمة الجهات التي يرغبون في العمل لديها مستقبلاً، رغم صعوبة سوق العمل وارتفاع المنافسة على الوظائف.
تظهر هذه المقاومة في وقت تتوسع فيه الشركات في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات التوظيف وفرز أعداد كبيرة من المتقدمين. ووفق استطلاع أجرته شركة «غرين هاوس» في إبريل 2026، قال نحو ثلثي 1200 باحث عن عمل في الولايات المتحدة، إنهم خاضوا مقابلة توظيف باستخدام الذكاء الاصطناعي. لكن قرابة 4 من كل 10 باحثين عن عمل قالوا إنهم انسحبوا من عملية توظيف بسبب مقابلة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين نظرة الشركات والمرشحين إلى هذه التكنولوجيا. ففي استطلاع منفصل أيضاً لـ«غرين هاوس» العام الماضي، قال 70% من مسؤولي التوظيف: إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على اتخاذ قرارات توظيف أسرع وأفضل مع تقليل الموارد المطلوبة من مسؤولي التوظيف، بينما قال نصف مسؤولي التوظيف تقريباً: إن الذكاء الاصطناعي أدى إلى تحسين عملية التوظيف عموماً. في المقابل، لم يرَ سوى 8% من المرشحين أن الذكاء الاصطناعي يجعل التوظيف أكثر عدالة.
مقابلة غير متوقعة مع روبوت
كان آرت هيبلر، البالغ من العمر 65 عاماً، والذي يعمل مديراً لبرامج تكنولوجيا المعلومات، يتوقع أن يتلقى اتصالاً هاتفياً عادياً لإجراء مقابلة عمل قبل عدة أشهر. لكنه اكتشف أن الصوت الموجود على الطرف الآخر لم يكن مسؤول توظيف، بل كان روبوتاً يعمل بالذكاء الاصطناعي.
ويقول هيبلر، إنه شعر بالدهشة عندما أدرك أن المقابلة التي كان يتوقع أن تكون مع شخص حقيقي أصبحت محادثة مع نظام آلي. وبعد أكثر من 600 طلب توظيف قدمها منذ يناير، يقول، إنه أصبح أكثر تحفظاً تجاه الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في هذه المرحلة من التوظيف، رغم اعتقاده بأن هذه الممارسة ستزداد انتشاراً.
ويواجه هيبلر، بحسب روايته، تحديات إضافية في البحث عن وظيفة مرتبطة بما يعتبره تحيزاً ضد المتقدمين الأكبر سناً. ولذلك يرى أن الانتقال من التفاعل البشري إلى نظام آلي يزيد من شعوره بأن عملية التوظيف أصبحت أكثر بعداً عن المرشح.
وفي إحدى المقابلات، كان يعتقد في البداية أن المساعد الذكي سيتصل به فقط للتحقق من هويته أو تاريخه الوظيفي قبل تحويله إلى مسؤول توظيف بشري. لكن النظام بدأ بطرح أسئلة تشبه مقابلة المرحلة الأولى، بما في ذلك أسئلة عن مهاراته ومدى ملاءمتها للوظيفة.
كما تكرر البرنامج في طرح السؤال نفسه، وقاطعه عندما كان يأخذ نفساً قبل الإجابة، ما دفعه إلى إنهاء المكالمة مبكراً. ويقول هيبلر إن التجربة جعلته يشعر وكأنه يساعد على تدريب أداة الذكاء الاصطناعي بدلاً من التقدم إلى وظيفة.
مقابلات تفتقد التفاعل البشري
يشير باحثون عن عمل تحدثوا إلى شبكة «سي إن بي سي» إلى أن مقابلات الذكاء الاصطناعي قد تبدو باردة وغير شخصية، بل ومهينة في بعض الحالات. ويرتبط جزء من المشكلة بغياب الإشارات غير اللفظية، مثل تعبيرات الوجه ولغة الجسد ونبرة التفاعل، وهي عناصر يمكن أن تساعد في جعل المقابلة البشرية أكثر طبيعية.
في المقابلة التقليدية، يستطيع مسؤول التوظيف طرح سؤال إضافي استناداً إلى إجابة المرشح أو توضيح نقطة تبدو مهمة في حديثه. أما النظام الآلي فقد يواصل طرح مجموعة من الأسئلة المحددة مسبقاً، حتى عندما تتطلب إجابة المرشح متابعة مختلفة.
وخاض آرون هولمز، البالغ من العمر 41 عاماً، تجربة مماثلة أثناء بحثه عن وظيفة في مجال البث المباشر، وهي رحلة يقول، إنها استمرت عاماً وما زالت مستمرة. وكان هولمز في البداية منفتحاً على الفكرة، معتقداً أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المقابلة قد يكون تجربة مثيرة للاهتمام. لكن انطباعه تغيّر سريعاً، إذ وجد أن المحادثة تفتقر إلى الإيقاع الطبيعي، كما أن الأسئلة التي طرحها لم تحصل على إجابات مناسبة. ويقول إن الصوت بدا بشرياً لكنه لم يكن إنسانياً بصورة طبيعية، ما ترك لديه انطباعاً سلبياً عن الشركة.
الشركات تواصل التوسع في الذكاء الاصطناعي
ورغم الانتقادات، لا تظهر مؤشرات على تراجع الشركات عن استخدام الذكاء الاصطناعي في مقابلات وفرز المتقدمين. ووفق استطلاع أجرته «لينكدإن» في يناير الماضي وشمل أكثر من 6500 متخصص في الموارد البشرية، يعتزم ثلثا مسؤولي التوظيف زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في المقابلات الأولية هذا العام.
ويعكس ذلك مفارقة في سوق العمل: فبينما يشعر بعض المرشحين بأن التكنولوجيا تجعل عملية التوظيف أقل إنسانية، ترى الشركات ومسؤولو التوظيف فيها وسيلة للتعامل مع أعداد ضخمة من طلبات التوظيف وتسريع الوصول إلى المرشحين المناسبين.
وقالت فيبي غافين، المتخصصة في التدريب المهني والقيادي، إن كثيراً من مسؤولي التوظيف أنفسهم يشعرون بالشك تجاه هذه الأدوات، لكنهم يواجهون ضغوطاً لإنجاز عمليات التوظيف بصورة أسرع.
ويُقاس أداء بعض مسؤولي التوظيف جزئياً بسرعة شغل الوظائف الشاغرة، في حين يرغب مديرو الإدارات في العثور سريعاً على موظفين جدد لتخفيف أعباء العمل. ومع زيادة أعداد المتقدمين، تصبح الأدوات القادرة على تحليل الطلبات وفرزها جذابة للشركات.
ووفق تقرير «لينكدإن»، قال اثنان من كل ثلاثة مسؤولي توظيف: إن العثور على المواهب المؤهلة أصبح أكثر صعوبة خلال العام الماضي، بينما تضاعف عدد المتقدمين لكل وظيفة في الولايات المتحدة منذ عام 2022.
وإضافة إلى خفض الوقت والتكاليف، تأمل الشركات في أن يساعد الذكاء الاصطناعي على تحليل قاعدة أكبر من المواهب والعثور على مرشحين يمتلكون مهارات ربما لم يكن من السهل اكتشافها بالطرق التقليدية.
لكن غافين تنصح الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين بالإفصاح عن ذلك للمرشحين مسبقاً، معتبرة أن الشركات كثيراً ما تنسى أنها تخضع للتقييم أيضاً من جانب الأشخاص الذين تتنافس على توظيفهم.
مرشحون يضعون حدوداً جديدة
بالنسبة لبعض الباحثين عن العمل، لم تعد المسألة مجرد تفضيل بين مقابلة بشرية وأخرى آلية، بل أصبحت عاملاً يحدد الشركات التي يرغبون في التقدم إليها من الأساس.
ويقول أحد الباحثين عن العمل إنه لن يخوض مقابلات تعتمد على الذكاء الاصطناعي مستقبلاً، مؤكداً أن وجود قسم للموارد البشرية له سبب واضح. أما آرون هولمز، فعلى الرغم من تفهمه للضغوط التي تواجه الشركات أمام آلاف طلبات التوظيف، فإنه يقول: إن استخدام الذكاء الاصطناعي في المقابلات سيكون بالنسبة إليه «رفضاً قاطعاً»، حتى مع رغبته في الحصول على وظيفة جديدة.
أما آرت هيبلر، فأصبح يحتفظ بأسماء الشركات التي يعلم أنها تشترط مقابلات بالذكاء الاصطناعي، ويقول، إنه لن يتقدم إليها.
وتعكس هذه المواقف تحولاً لافتاً في العلاقة بين التكنولوجيا وسوق العمل. فالشركات ترى في الذكاء الاصطناعي أداة لتسريع عملية التوظيف والتعامل مع أعداد متزايدة من الطلبات، بينما يرى بعض المرشحين أن الكفاءة الرقمية لا ينبغي أن تأتي على حساب التواصل الإنساني أو القدرة على فهم الاختلافات الفردية.