يميل زوار فرنسا عادةً إلى التوافد على المدن الكبرى وشواطئ المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. لكن هناك خيار آخر: أُسلك الطرق الفرعية وتجول ببطء - بالسيارة أو الدراجة - عبر طرق ذات جودة ممتازة تخترق منطقة وسط فرنسا التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، حيث ستسحرك بلدات صغيرة - ربما لم تسمع بها من قبل - بتاريخها وكنوزها الفريدة.
مدينة بورج مقصد عشاق العمارة القوطية
تُعد مدينة «بورج» - التي ستكون عاصمة الثقافة الأوروبية لعام 2028 - نقطة انطلاق مثالية لاستكشاف وسط فرنسا، حيث تعتبر مركزاً حضرياً مهماً منذ أكثر من 2000 عام، وهي تجذب الزوار بشوارعها التي تعود للقرون الوسطى والتي لا تزال محتفظة برونقها وتصطف على جانبيها منازل ذات هياكل خشبية بارزة (نصف خشبية). وتهيمن على أفق المدينة «كاتدرائية سانت إتيان» المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهي تحفة فنية من العمارة القوطية تتميز بغياب الجناح العرضي وعدم خضوعها لتعديلات جوهرية عبر الزمن، فضلاً عن نوافذها الزجاجية الملونة المذهلة التي تعود للقرنين الثالث عشر والرابع عشر.
وعلى بعد 10 دقائق سيراً على الأقدام، تصل إلى «قصر جاك كور» الذي شُيّد في أوائل القرن الخامس عشر، ويُعد نموذجاً نادراً ومحفوظاً جيداً للعمارة المدنية القوطية الفرنسية. يتميز القصر بأثاث بسيط ولكنه يزدان بزخارف غنية ومنحوتات حجرية متقنة ومرحة تحيط بالمداخن والنوافذ والأبواب والسلالم. وفي الواجهة الرئيسية، وعلى جانبي الباب الرئيسي، سترى نقوشاً بارزة لكل من «جاك كور» وزوجته، حيث يظهر كل منهما في شرفته الخاصة ويدير ظهره للآخر.
كما تأخذك جولة مشي مدتها 20 دقيقة من هذه المعالم الرائعة إلى مساحات شاسعة من الحدائق الزراعية (التي تبلغ مساحتها 135 هكتاراً) ويعتني بها أصحابها بكل حب، وتتخلل هذه الحدائق قنوات وجداول مائية يمكنك السير بمحاذاتها أو استكشافها عبر رحلة بالقارب.
«أوبينيي-سور-نير» مدينة بطابع اسكتلندي
في بلدة «أوبينيي-سور-نير» التي تعود للقرون الوسطى -والتي تحمل شعار «مدينة آل ستيوارت» - قد تسمع أنغام القربة الاسكتلندية، وترى رجالاً يرتدون التنانير التقليدية (الكيلت)، وتلاحظ العلم الاسكتلندي يرفرف عالياً، بل تُفاجأ بأن نقوش «التارتان» (قماش المربعات الاسكتلندي الشهير) تزين واجهات معظم المتاجر. يعود ذلك إلى ارتباط المدينة التاريخي باسكتلندا، والذي يمتد لقرون خلت وتحديداً إلى فترة «حرب المئة عام» (1337–1453)، حين أرسلت اسكتلندا 15 ألف جندي لدعم شارل السابع - ملك فرنسا المستقبلي آنذاك.
واليوم، تواصل هذه البلدة الصغيرة المزدهرة -التي يبلغ عدد سكانها 6000 نسمة- الاحتفاء بجذورها الاسكتلندية سنوياً من خلال مهرجان صيفي يقام في أوائل شهر يوليو. وتتميز متاجر البلدة غالباً بأسماء تحمل كلمة «ستيوارت» أو إشارات إلى المرتفعات الاسكتلندية.
مهرجان الفن الاسكتلندي في أوبيني
«أرجنتون-سور-كروز» بلدة الألوان الزاهية
تقع هذه البلدة الصغيرة على بعد 100 كم جنوب غرب مدينة «بورج»، وتمتد على ضفتي نهر «كروز»، حيث تنعكس الواجهات الملونة للمنازل التي تعود للعصور الوسطى والمطلة على الضفة الشرقية. وتُعرف البلدة بلقب «بندقية بيري»، حيث يطلق اسم «بيري « على قلب فرنسا منذ القدم- وتتميز البلدة بتمثال ذهبي ضخم للسيدة العذراء والطفل يعلو كنيسة صغيرة.
كانت «أرجنتون» مركزاً لصناعة الملابس لقرون عديدة، حيث توارثت النساء المهارات عبر الأجيال، سواء كن يعملن في ورش حضرية آلية أو في منازلهن الريفية. ومع حلول أوائل القرن الحادي والعشرين، أغلقت جميع هذه الورش أبوابها، لكن ذكراها لا تزال حاضرة في «متحف صناعة القمصان والأناقة الرجالية، حيث يشعر عشاق ماكينات الخياطة القديمة بسعادة غامرة عند رؤية المجموعة الرائعة المعروضة هنا.
أوبوسون مركز استلهام الفنانين
في طريقك إلى «أوبوسون» - التي تبعد 100 كم جنوب شرق «أرجنتون-سور-كروز» - توقف عند بلدة «فريسلين»، حيث كان يقصدها فنان المدرسة الانطباعية «كلود مونيه» للرسم، مستلهماً إبداعه من أوصاف المناظر الطبيعية الواردة في روايات «جورج ساند». ويضم المتحف المحلي الساحر «إسباس مونيه رولينو» أعمالاً لفنانين آخرين استلهموا إبداعهم من الريف المحيط، رغم أنه لا يعرض أعمالاً ل «مونيه» نفسه. من هنا، يمكنك زيارة القلعة التي تعود للعصور الوسطى في «كروزانت» والمشيدة فوق نتوء صخري عند منعطف حاد لنهر «كروز»، وحينها ستدرك سر إلهام الفنانين بهذه المنطقة التي باتت تُعرف اليوم باسم «وادي الرسامين».
تقع بلدة «أوبوسون» التي لا تزال تُعد واحدة من أبرز مراكز حياكة النسيج الفني (التابستري) في العالم بعد مرور 600 عام على توثيق هذا الفن فيها لأول مرة- على بعد 75 دقيقة بالسيارة جنوب شرق «كروزانت» (أو ما يقل قليلاً عن 5 ساعات إذا كنت تستخدم الدراجة الهوائية). تتميز هذه البلدة الملونة بموقعها على ضفاف نهر «كروز» في قاع وادٍ ضيق، حيث تزدان الأعمدة الحاجزة في الشوارع بألوان زاهية تتماشى مع واجهة «المدينة الدولية للنسيج الفني « التابستري»، وهو الموقع المُدرج منذ عام 2009 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو.
هنا، ستكتسب رؤية مذهلة حول هذا الفن العريق، إذ يُنجز كل نساج متراً مربعاً واحداً من النسيج الفني شهرياً، وذلك بالعمل لمدة 8 ساعات يومياً، على مدار 5 أيام في الأسبوع.
افتُتحت «المدينة الدولية للنسيج الفني» عام 2016 لتجمع بين كونها متحفاً، ومدرسة تستقبل ما بين 8 إلى 12 طالباً سنوياً، ومركزاً لابتكار أعمال نسيج فني معاصرة. ومن أحدث أعمالها -الذي أُزيح عنه الستار في 8 يونيو 2026 تزامناً مع الذكرى ال150 لوفاة الكاتبة «جورج ساند»- قطعة نسيج فني يبلغ طولها 23 متراً تحتفي بحياتها وأعمالها.
الكنيسة الملكية بورج