بين طلقات التهديدات الأمنية المباغتة، وارتدادات المخاوف المتصاعدة من خروقات هزت عواصم القارة العجوز، تقف ميلانو وباريس تحت مقصلة ترقب حذر، حيث تتجسد هواجس الاستقرار في مواجهة اختبارات ميدانية فرضتها دوافع حماية الجبهة الداخلية من طوفان الاحتجاجات الذي اجتاح الشارع الأوروبي.
من قلب باريس
بدأت الحكاية في الساحة الفرنسية كحركة احتجاجية طلابية منددة بالنقص الحاد في الموارد التعليمية واكتظاظ الفصول الدراسية وتردي البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، لتمتد سريعاً وتلتهب بضمّ الطبقات العمالية والأسر التي أرهقتها أزمة غلاء المعيشة والتضخم وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، مستعيدةً أصداء حراك السترات الصفراء وسط حشود شعبيّة ضخمة شارك فيها مئات الآلاف.
إلى ميلانو
هذه الشرارة لم تكن حبيسة الجغرافيات الفرنسية، بل عبرت الحدود لتصيب العاصمة الاقتصادية لإيطاليا، حيث خرج الآلاف في شوارع ميلانو ومحيط الساحات الحيوية مثل ساحة بيازا دومو تنديداً بتدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية، متخذةً طابعاً صدامياً محتدماً مع قوات الأمن ومخلفة أضراراً مادية واسعة شملت تحطيم واجهات المحال التجارية وعمليات نهب متفرقة للمتاجر.
اعتقالات
وأمام هذا الانفجار الميداني المتصاعد وتمدد أعمال الشغب إلى غاية مطلع الأسبوع، تحركت الحكومتان بصرامة مطلقة لاحتواء الموقف، ففي باريس نشرت السلطات آلاف العناصر الأمنية مدعومة بقوات مكافحة الشغب، واستخدمت تدابير مشددة أسفرت عن اعتقالات جماعية هائلة تجاوزت ألفي موقوف رسمي (نحو 2,400 معتقل) على خلفية أعمال شغب ونهب وتخريب طالت الممتلكات العامة والخاصة وإحراق بعض المقار والسيارات.
إصابات
وخلفت هذه المواجهات العنيفة حصيلة ثقيلة من الإصابات، حيث تجاوز عدد المصابين في صفوف قوى الأمن والشرطة الفرنسية وحدها الألف مصاب إلى جانب مئات المصابين من المتظاهرين جراء التدافع والاشتباكات واستخدام الهراوات والغازات المسيلة للدموع، رافقت ذلك إدانات سياسية واسعة من الإدارة الفرنسية التي حذرت بجدية من انجرار التظاهرات نحو التخريب والعنف غير المبرر واختطاف الحراك من قبل مجموعات متطرفة.
وفي ميلانو، فرضت الأجهزة الأمنية الإيطالية طوقاً صارماً حول المؤسسات الحيوية ومراكز الاقتصاد، واستخدمت الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت لتفريق المتظاهرين وإعادة ضبط الشارع في ظل تواصل الاحتجاجات لليوم الثاني على التوالي، مسجلة عشرات الإصابات المتنوعة وحملات توقيف واسعة طالت المشتبه فيهم بتورطهم في أعمال العنف والنهب، بالتزامن مع فتح تحقيقات موسعة لتعقب منظمي الاحتجاجات وتحديد الجهات الواقفة خلف التصعيد.
عدوى تحت الرماد
وتشير القراءات الميدانية والتقارير الأمنية والسياسية الأخيرة إلى أن عدوى الاحتجاجات لا تزال حية وتنبض تحت الرماد، فبالرغم من القبضة الأمنية المشددة وعمليات التوقيف غير المسبوقة التي طالت الآلاف في باريس وميلانو، فإن أزمة الثقة بين الشارع وحكوماته تظل قائمة والاحتقان مازال متواصلاً.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتوسع الرقعة الجغرافية للمطالب لتشمل قطاعات واسعة في مدن أوروبية أخرى، تبدو القارة في مهب رياح متقلبة، حيث تقف السلطات في سباق دائم مع الزمن، لا لإخماد شرارة اليوم فحسب، بل لمنع انفجار بركان اجتماعي أوسع يتربص باستقرار العواصم الأوروبية الهش.