العالم على أعتاب مرحلة حضارية جديدة، إذ يشهد اليوم تصاعداً في حدّة الصراعات، والحروب، والتوترات، وتنامياً في سباقات التسلح، والتنافس على النفوذ، حتى بات المشهد الدولي يوحي كأن البشرية تتجه نحو مرحلة أكثر اضطراباً وانقساماً. غير أن القراءة المتأنية لحركة التاريخ قد تقودنا إلى رؤية مختلفة، فليس كل تصاعد في الصراعات مؤشراً على استمرارها، بل قد يكون تعبيراً عن مخاض تاريخي عميق يسبق الانتقال إلى مرحلة حضارية جديدة.
لقد شهد العالم، خلال العقود الماضية، حروباً وصراعات وتنافساً محموماً على مناطق النفوذ، ترتبت عليها خسائر بشرية واقتصادية هائلة، وأهدرت فرصاً تاريخية للبناء والتنمية.
ومع تعاظم التشابك الاقتصادي والتكنولوجي بين الدول، لم تعُد آثار الحروب محصورة في أطرافها المباشرة، وإنما أصبحت تمتد إلى أمن الطاقة، والغذاء، والمياه، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، بما يجعل الجميع عرضة لتداعياتها.
ليست منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي على وجه الخصوص، بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، بل إن ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية، من حروب وتوترات وتنافس على النفوذ وتدخلات في شؤون الدول، يمثل جانباً من مخاض مرحلة تاريخية طويلة تتغير اليوم الكثير من معطياتها.
وقد أثبتت التجارب أن محاولات فرض الإرادات وتوسيع النفوذ على حساب استقرار الآخرين لم تحقق، بالضرورة، الأمن المنشود، وإنما أسهمت في تعميق المخاوف المتبادلة، واستنزاف الموارد، وتعطيل التنمية، وتركت آثاراً عميقة في العلاقات بين الدول والشعوب.
ولعل الدرس الأهم أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال إضعاف بعض أطرافها، أو استنزافها، لأن المصالح والمخاطر متشابكة، ولأن اضطراب أي جزء منها ينعكس بدرجات متفاوتة على محيطه الإقليمي.
من هنا، فإن دول الخليج مطالبة بإدراك طبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها العالم، واستيعاب أن استمرار التنافس على النفوذ وإدارة الخلافات بعقلية المواجهة قد يفوّت عليها فرصاً استثنائية للمشاركة في بناء المرحلة المقبلة.
لعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في المنعطفات التاريخية الكبرى هو الاستمرار في التعامل مع المتغيرات بعقليات وأساليب لم تعُد تتناسب مع معطيات العصر، والإصرار على سياسات أثبتت التجارب محدودية جدواها، بدافع المكابرة، أو الخشية من أن تُفسَّر المراجعة باعتبارها تراجعاً، أو ضعفاً.
فالعناد في مواجهة التحولات لا يوقف حركة التاريخ، وإنما يضاعف تكاليف التكيّف معها، وقد تمتد تداعياته من استنزاف الموارد وتعطيل التنمية إلى إضعاف تماسك المجتمعات وزعزعة استقرار الدول، ومؤسساتها، بل وقد تبلغ في بعض الظروف مستويات تهدّد استمرارية الأنظمة السياسية نفسها.
من هنا، فإن مراجعة السياسات وتصحيح الأخطاء ليست اعترافاً بالهزيمة، ولا انتقاصاً من الهيبة والمكانة، وإنما تعبير عن النضج السياسي والوعي الاستراتيجي، وحرص على حماية الدولة والمجتمع، والمحافظة على المكتسبات.
إن أخطر ما تخلّفه الصراعات الممتدة لا يقتصر على الخسائر المادية والبشرية، وإنما يشمل أيضاً ما تتركه من تصدعات في الثقة بين الدول والمجتمعات، وما تولده من مشاعر سلبية قد تستمر آثارها بعد انتهاء أسباب الخلاف.
وقد تستطيع الدول إعادة بناء منشآتها وتعويض جانب من خسائرها الاقتصادية خلال سنوات، لكنها قد تحتاج إلى عقود لترميم الثقة، وإزالة آثار الخصومات المتراكمة.
فليس من الحكمة أن تحرق الدول جسور العودة إلى بعضها بعضاً، وهي تعلم أن متطلبات المستقبل ستفرض عليها التعاون والعيش المشترك.
تمتلك منطقة الخليج إمكانات استثنائية تؤهلها لأن تكون إحدى أهم مناطق العالم في البناء والتنمية والازدهار، بما تملكه من موارد طبيعية، ومواقع استراتيجية، وقدرات مالية وبشرية وعلمية متنامية.
غير أن الاستفادة المثلى من هذه الإمكانات تتطلب الانتقال من استنزاف الموارد في الصراعات إلى توظيفها في مشروعات التنمية المستدامة.
إن ما يشهده العالم من اضطرابات وصراعات قد يكون جزءاً من مخاض تاريخي واسع، تتفاعل فيه مفاعيل الزمن لتعيد تشكيل العلاقات الدولية، وتفتح آفاقاً أمام مرحلة حضارية جديدة تتعاظم فيها أهمية التعاون، والتكامل، والمصير الإنساني المشترك.
ومن هنا، فإن دول المنطقة مدعوة إلى قراءة هذه اللحظة التاريخية بوعي ومسؤولية، والتوقف عن استنزاف مواردها وطاقاتها، ومراجعة سياساتها وتصحيح أخطائها، وتجاوز المكابرة والعناد، وإعادة بناء جسور الثقة والتفاهم.
فالفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وكلما تأخرت المراجعة ارتفعت تكاليفها، وتعقدت فرص التعافي والمصالحة، وربما أصبحت السياسات التي أُريد بها تعزيز القوة والنفوذ أسباباً لإضعافهما، وتهديد استمرارهما.
