تُعد لانا زكي نسيبة مرشحة دولة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة نموذجاً مشرقاً للدبلوماسية الإقليمية والدولية، حيث امتدت مسيرتها على مدى سنوات حافلة بالعمل الدؤوب في أروقة المحفل الأممي، ممثلة للدولة، ومسهمة في ترسيخ مكانتها على الساحة الدولية.
ويعكس ترشيح نسيبة حصيلة سنوات من العمل الدبلوماسي الإماراتي متعدد الأطراف، بدءاً من إعداد السياسات وإدارة الملفات الدولية، وصولاً إلى تمثيل الدولة في مجلس الأمن والجمعية العامة، والمشاركة في صياغة قرارات أممية تناولت قضايا إنسانية وأمنية بارزة.
من تخطيط السياسات إلى العمل الدبلوماسي
بدأت نسيبة مسيرتها الحكومية في وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، حيث شغلت منصب مديرة البحوث والاتصال، قبل أن تتولى رئاسة فريق العمل المعني بالحملة الإماراتية لاستضافة أبوظبي مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا».
وفي عام 2009، أسست إدارة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، وتولت إدارتها الأولى لمدة ثلاث سنوات، وأسهمت في تطوير العمل المتعلق بإعداد السياسات الخارجية ومواكبة توسع علاقات دولة الإمارات الإقليمية والدولية.
كما عملت مبعوثة خاصة مشاركة للدولة إلى أفغانستان وباكستان خلال عامي 2010 و2011، وتولت منصب نائب منسق الإمارات في قمة قادة مجموعة العشرين، التي عُقدت تحت الرئاسة الفرنسية عام 2011.
ومثلت هذه المسؤوليات مرحلة مهمة في مسيرتها المهنية، جمعت خلالها بين إعداد السياسات والتعامل مع الملفات الأمنية والتنموية وإدارة العلاقات الدولية، قبل انتقالها إلى العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف في الأمم المتحدة.
أول امرأة تمثل الإمارات لدى الأمم المتحدة
في سبتمبر 2013، عُيّنت نسيبة مندوبة دائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الدبلوماسية الإماراتية، واستمرت في مهمتها حتى إبريل 2024.
وخلال أكثر من عشر سنوات، شاركت في مناقشات ومفاوضات دولية تناولت قضايا السلم والأمن، والتنمية المستدامة، وحقوق المرأة، والعمل الإنساني، وإصلاح منظومة الأمم المتحدة، كما تولت مناصب قيادية في عدد من أجهزتها.
وفي عام 2016، شاركت في رئاسة فريق العمل المخصص لتنشيط أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم شغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة في دورتها الثانية والسبعين، وترأست في عام 2017 المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وبين عامي 2017 و2019، شاركت في رئاسة المفاوضات الحكومية الدولية بشأن إصلاح مجلس الأمن، التي تناولت توسيع العضوية والتمثيل الجغرافي وآليات عمل المجلس. كما شاركت، منذ عام 2015، في رئاسة مجموعة «أصدقاء مستقبل الأمم المتحدة» بالتعاون مع المملكة المتحدة، وهي مجموعة غير رسمية تناقش مستقبل المنظمة الدولية وسبل تعزيز قدرتها على مواجهة التحديات العالمية.
وعكست هذه الأدوار اتساع نطاق مشاركتها في الملفات الأممية، من قضايا المرأة والتنمية إلى تطوير آليات العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف.
قرارات بارزة خلال عضوية الإمارات في مجلس الأمن
شكّلت عضوية دولة الإمارات غير الدائمة في مجلس الأمن خلال عامي 2022 و2023 إحدى أبرز محطات مسيرة نسيبة؛ إذ تزامنت مع تطورات دولية وإقليمية معقدة، شملت الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في قطاع غزة.
وخلال هذه الفترة، ترأست نسيبة مجلس الأمن مرتين، وأسهمت في قيادة الجهود الدبلوماسية الإماراتية المتعلقة بملفات السلام والأمن والعمل الإنساني، إلى جانب المشاركة في المفاوضات التي أفضت إلى اعتماد قرارات مهمة.
ومن أبرز هذه القرارات القرار رقم 2686، الذي تناول خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز والمعلومات المضللة، ودورها في اندلاع النزاعات وتصعيدها وتكرارها.
كما شملت الجهود القرار رقم 2681، الذي دان قرار حركة طالبان منع النساء الأفغانيات من العمل لدى الأمم المتحدة في أفغانستان.
وبرز كذلك القرار رقم 2720، الذي اعتمده مجلس الأمن في 22 ديسمبر 2023 بشأن المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ووضع أساساً لإنشاء آلية أممية تهدف إلى توسيع تدفق المساعدات الإنسانية وتسهيل إيصالها إلى القطاع.
وفي إبريل 2024، تسلّمت نسيبة «درع فلسطين» من المندوب الدائم المراقب لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور، تقديراً لجهودها خلال فترة عملها، لاسيما أثناء عضوية الإمارات في مجلس الأمن.
وكانت نسيبة قد مُنحت درجة وزير بمرسوم اتحادي في ديسمبر 2021، خلال توليها منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية والمندوبة الدائمة للدولة لدى الأمم المتحدة.
من نيويورك إلى الملفات الدبلوماسية الإقليمية
أنهت نسيبة مهمتها مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة في إبريل 2024، وعادت إلى أبوظبي لمواصلة عملها مساعدة لوزير الخارجية للشؤون السياسية ومبعوثة لوزير الخارجية.
وفي 9 سبتمبر 2025، أُعلن تعيينها وزيرة دولة في حكومة الإمارات، لتواصل العمل في ملفات السياسة الخارجية والشراكات الاستراتيجية والعلاقات مع القوى الدولية والمنظمات متعددة الأطراف.
وخلال عام 2026، تولت مسؤوليات دبلوماسية شملت المشاركة في المشاورات السياسية مع إيران في طهران خلال فبراير، وتمثيل الدولة في الاجتماع الوزاري المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في يونيو، إلى جانب ترؤس الجانب الإماراتي في الجولة الأولى من المشاورات السياسية مع صربيا في بلغراد خلال أكتوبر، التي تناولت التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي والتطورات الأمنية.
وتجمع هذه المحطات بين الخبرة في المؤسسات الدولية وإدارة العلاقات الثنائية، إلى جانب التعامل مع قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
ترشيح لقيادة الأمم المتحدة
في 21 أكتوبر 2026، أعلنت الإمارات رسمياً ترشيح لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، عبر رسالة وجّهها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى رئيسي الجمعية العامة ومجلس الأمن.
وسلطت رسالة الترشيح الضوء على خبرتها العميقة في الأمم المتحدة، وقدرتها على التعامل مع التحديات الدولية الراهنة، وسجلها في العمل البنّاء.
وتأتي الخطوة في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لاختيار أمين عام جديد خلفاً لأنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر 2026، على أن يتولى الأمين العام المقبل مهامه اعتباراً من يناير 2027.
ووفق ميثاق الأمم المتحدة، تتولى الجمعية العامة تعيين الأمين العام بناء على توصية من مجلس الأمن، في إطار عملية الاختيار التي تتواصل بين الدول الأعضاء.
ويمثل ترشيح نسيبة محطة جديدة في مسيرتها الدبلوماسية، التي انتقلت خلالها من إعداد السياسات الخارجية إلى التمثيل الدائم لدى الأمم المتحدة، والمشاركة في قيادة أعمال مجلس الأمن، وصولاً إلى الترشح للمنصب الأعلى في المنظمة الدولية.