لم يكن جيسون كيلار مجرد مدير تنفيذي يتنقل بين المناصب القيادية في شركات التكنولوجيا والإعلام، بل كان أحد الأسماء التي ساهمت في تشكيل التحولات الكبرى في صناعة الترفيه الرقمي، من التجارة الإلكترونية مع «أمازون»، إلى البث عبر الإنترنت مع «هولو»، وصولاً إلى قيادة «وارنر ميديا» في مرحلة شهدت تغييرات جذرية في طريقة إنتاج الأفلام وتوزيعها ومشاهدتها.
وُلد كيلار في 26 إبريل من عام 1971 في مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكية، ونجح على مدار مسيرته المهنية في بناء خبرة تجمع بين التكنولوجيا والأعمال والإعلام، ليصبح لاحقاً عضواً في مجالس إدارة شركات بارزة، من بينها «روبلوكس» و«ويلث فرونت».
من مقاعد الدراسة إلى «أمازون»
بدأت ملامح مسيرة كيلار المهنية تتشكل من خلال دراسته الجامعية في جامعة نورث كارولاينا في «تشابل هيل»، التي تخرج فيها عام 1993، قبل أن يلتحق بكلية هارفارد للأعمال، ويحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال في عام 1997.
وفي العام نفسه، انضم إلى شركة «أمازون»، حيث أمضى نحو تسع سنوات في العمل داخل واحدة من أبرز شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية في العالم. وتولى خلال تلك الفترة مناصب تنفيذية، من بينها منصب نائب الرئيس الأول لقسم برمجيات التطبيقات العالمية، ما أتاح له اكتساب خبرة في تطوير الخدمات الرقمية وتوسيع نطاق الأعمال عبر الإنترنت.
وشكّلت هذه المرحلة أساساً مهماً لانطلاقه نحو قطاع الإعلام الرقمي، الذي كان يستعد لتغيير جذري بفعل انتشار الإنترنت وتطور منصات المشاهدة عبر الشبكة.
«هولو».. محطة صنعت اسمه في عالم البث
في عام 2007، شارك كيلار في تأسيس منصة «هولو»، إحدى الخدمات التي ساهمت في ترسيخ نموذج مشاهدة المحتوى التلفزيوني والفيديو عبر الإنترنت. وتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة، ليقودها خلال سنواتها الأولى في سوق تنافسية كانت تتجه تدريجياً نحو الابتعاد عن الاعتماد الحصري على التلفزيون التقليدي.
وقد مثّلت «هولو» تجربة مهمة في مسيرة كيلار، إذ أتاحت له العمل على تطوير نموذج يجمع بين المحتوى الترفيهي والتكنولوجيا والتوزيع الرقمي، في وقت كانت فيه عادات المشاهدة لدى الجمهور تشهد تحولاً متسارعاً.
وفي يناير من عام 2013، أعلن استقالته من منصبه بعد نحو خمس سنوات من قيادة المنصة. وبعد شهر، انضم إلى مجلس إدارة «دريم ووركس أنيميشن»، في خطوة أبقته قريباً من صناعة المحتوى والترفيه.
تجربة «فيسل».. رهان جديد على الاشتراكات
لم يبتعد كيلار طويلاً عن مجال الفيديو الرقمي، ففي عام 2014 أعلن إطلاق «فيسل»، وهي خدمة اشتراك لمشاهدة مقاطع الفيديو، تولى فيها أيضاً منصب الرئيس التنفيذي.
وحظي المشروع بدعم شركات استثمارية بارزة، من بينها «بنشمارك» و«غريلوك بارتنرز» و«بيزوس إكسبيديشنز». وفي عام 2016، بيعت الشركة إلى «فيرايزون»، في محطة جديدة ضمن مسيرة كيلار التي اتسمت بالانتقال بين تأسيس المشاريع الرقمية وقيادة المؤسسات الكبرى.
وعكست هذه التجربة اهتمامه بتطوير نماذج أعمال جديدة في سوق الفيديو، حيث باتت الاشتراكات والمنصات الرقمية تمثلان جزءاً متزايد الأهمية من مستقبل صناعة الترفيه.
قيادة «وارنر ميديا» وقرار غيّر قواعد اللعبة
بلغت مسيرة كيلار إحدى أبرز محطاتها في إبريل من عام 2020، عندما أُعلن تعيينه رئيساً تنفيذياً لشركة «وارنر ميديا»، على أن يتولى المنصب اعتباراً من الأول من مايو من العام نفسه.
وجاء تعيينه في مرحلة استثنائية، إذ كانت جائحة «كوفيد-19» تضرب صناعة السينما وتدفع الشركات إلى إعادة النظر في أساليب توزيع الأفلام والوصول إلى الجمهور.
وفي ديسمبر من عام 2020، اتخذ كيلار قراراً أثار جدلاً واسعاً في هوليوود، بإعلان طرح أفلام «وارنر براذرز» المقرر إصدارها خلال عام 2021 على منصة «إتش بي أو ماكس» بالتزامن مع عرضها في دور السينما.
وكانت السياسة المعتادة تقتضي منح دور السينما فترة حصرية تقارب 90 يوماً قبل إتاحة الأفلام عبر قنوات أخرى. لكن القرار الجديد مثّل تحولاً كبيراً في هذا النموذج، إذ منح المشتركين فرصة مشاهدة الأفلام الجديدة عبر الإنترنت في الوقت نفسه الذي تُعرض فيه على الشاشات الكبيرة.
وأثار القرار اعتراضات من شخصيات بارزة في صناعة السينما، من بينهم المخرج كريستوفر نولان، كما أثار تساؤلات بشأن حقوق بعض العاملين في الأفلام والعقود المرتبطة بعمليات التوزيع.
نهاية مرحلة وبداية أخرى
في إبريل من عام 2022، أعلن كيلار تنحيه عن منصبه رئيساً تنفيذياً ل«وارنر ميديا»، بالتزامن مع اندماج الشركة مع «ديسكفري»، في عملية أعادت تشكيل المشهد الإعلامي وأسهمت في ظهور «وارنر براذرز ديسكفري».
ومع مغادرته المنصب، انتهت مرحلة قيادية ارتبطت بقرارات استراتيجية مهمة في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ صناعة الترفيه الحديث.
لكن خروجه من الإدارة التنفيذية لم يكن نهاية حضوره في عالم الأعمال، إذ واصل نشاطه في مجالس إدارة الشركات، مستفيداً من خبرته في التكنولوجيا والمنصات الرقمية وتطوير نماذج الأعمال.
وفي سبتمبر من عام 2023، انضم كيلار إلى مجلس إدارة «روبلوكس»، المنصة الرقمية المعروفة بعالم الألعاب والتجارب التفاعلية التي ينشئها المستخدمون. كما يشغل عضوية مجلس إدارة «ويلث فرونت»، الشركة المتخصصة في الخدمات المالية الرقمية وإدارة الثروات.
«أمازون» كانت البداية التي مهدت لمسيرة كيلار