يشهد سوق الطائرات الخاصة ازدهاراً لافتاً، مدفوعاً بارتفاع الطلب العالمي وتأخر شركات التصنيع في تسليم الطائرات الجديدة، ما فتح فرصة أمام بعض الأثرياء لتحقيق ملايين الدولارات، من خلال شراء طائرات مرغوبة ثم إعادة بيعها بعد استلامها بفترة وجيزة.
وقالت صحيفة «فاينانشال تايمز» إن الطلب القوي على السفر بالطائرات الخاصة، بالتزامن مع التأخيرات الناجمة عن اضطرابات سلاسل الإمداد، أدى إلى ارتفاع أسعار الطائرات، ودفع بعض المشترين الأصليين إلى إعادة بيعها فور وصولها تقريباً.
نقلت الصحيفة عن أوليفر تيبيت، الشريك في فريق الطيران والفضاء بشركة المحاماة «إتش إف دبليو»، قوله إن أي شخص يتسلم طائرة جديدة من فئة الطائرات الثقيلة من المرجح أن يجد سوقاً جاهزة لإعادة البيع.
وأضاف مسؤول تنفيذي في القطاع أن الطلب «قوي جداً»، وأن ذلك يظهر بصورة أكثر وضوحاً في سوق الطائرات المستعملة.
طفرة الذكاء الاصطناعي تعزز الطلب
تأتي هذه الطفرة في وقت أدى فيه ازدهار قطاع الذكاء الاصطناعي إلى ظهور فئة جديدة من الأثرياء، خصوصاً من العاملين في قطاع التكنولوجيا، ما عزز الطلب على الطائرات الخاصة، وفي الوقت نفسه، تواجه شركات تصنيع الطائرات الخاصة تحديات لوجستية على مستوى الصناعة، من بينها نقص بعض مكونات التصنيع، مثل المسبوكات والمطروقات، إلى جانب نقص العمالة، وأدت هذه التحديات إلى نمو قوائم طلبات الطائرات لدى كبار المصنعين بوتيرة أسرع من قدرتهم على إنتاج الطائرات وتسليمها.
وقال تيبيت إن العميل الذي يطلب طائرة خاصة جديدة اليوم، قد يضطر إلى الانتظار حتى عامي 2029 أو 2030 للحصول عليها، ما يدفع المشترين إلى سوق الطائرات المستعملة بحثاً عن طائرات متاحة في وقت أقرب.
ملايين الدولارات فوق سعر الشراء
أصبحت الفجوة بين العرض والطلب فرصة لتحقيق أرباح كبيرة. فطائرة «غلف ستريم جي 700» الجديدة، التي يبلغ سعرها المعتاد نحو 80 مليون دولار قبل التخصيص، يمكن بيعها بزيادة تصل إلى 10%، وفق خبراء في قطاع تأجير الطائرات نقلت عنهم الصحيفة.
وقالت باربرا بانسادورو، الشريكة في شركة «أدشو غودارد» للمحاماة، إن السعر يمكن أن يرتفع، بحسب الطراز ونوع الطائرة، إلى عدة ملايين من الدولارات فوق سعر الشراء الأصلي.وفي إحدى الحالات، طلبت شركة مدرجة طائرة خاصة قبل ثلاثة أعوام مقابل 77 مليون دولار، ثم باعتها مقابل 84 مليون دولار عند تسليمها قبل ستة أشهر، وفق أحد المستشارين. والطائرة نفسها معروضة حالياً في السوق بصورة غير معلنة بسعر يتجاوز 90 مليون دولار، بحسب المصدر.وتوضح هذه الصفقة حجم الفرصة التي أتاحتها ندرة الطائرات الجديدة، إذ تمكن المشتري الأصلي من تحقيق ربح قدره 7 ملايين دولار بمجرد بيع الطائرة عند التسليم، بينما ارتفعت القيمة المعروضة لاحقاً إلى مستوى أعلى بكثير.
تغييرات ضريبية تدعم السوق
ترى شخصيات في القطاع أن هناك عاملاً آخر ساهم في زيادة الطلب على الطائرات الخاصة، يتمثل في قانون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف باسم «قانون المشروع الكبير الجميل الواحد»، الذي أُقر في عام 2025.
وأشارت بانسادورو إلى أن بند «الاستهلاك المتسارع» في القانون، والذي يسمح للشركات بخصم التكلفة الكاملة للطائرة من فاتورتها الضريبية خلال السنة الأولى من امتلاكها، ساهم في تحفيز الطلب.
وبذلك، لا يعتمد الإقبال على الطائرات الخاصة فقط على رغبة الأثرياء في السفر، بل تدعم السوق أيضاً اعتبارات استثمارية وضريبية، ما يزيد جاذبية امتلاك الطائرات، في ظل ارتفاع أسعارها في السوق الثانوية.
من إعادة بيع العقود إلى بيع الطائرة
وكان بعض المشترين في السابق يحققون الأرباح، من خلال بيع عقود شراء الطائرات قبل تسليمها إلى مشترين آخرين، إلا أن شركات التصنيع شددت القيود على هذه الممارسة، لأنها كانت تؤثر في قدرتها على التحكم في الأسعار داخل السوق.
وقال مايك فرانسيس، رئيس تمويل الطيران في بنك «سيتي»، إن المشترين الأصليين، سواء كانوا أفراداً أو شركات، أصبحوا يميلون الآن إلى بيع الطائرة بعد تسلمها مباشرة أو بعد فترة قصيرة من التسليم.
وتحتوي العقود القياسية عادةً على بند يمنع المشتري من بيع الطائرة قبل تسليمها، بحسب مسؤول تنفيذي في القطاع، إلا أن هذه القيود لا تمنع إعادة البيع بعد انتقال ملكية الطائرة إلى المشتري.
أصل يتراجع ويحقق أرباحاً
تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة لأن الطائرات الخاصة تُعد عادة من الأصول، التي تنخفض قيمتها بمرور الوقت، إلا أن ظروف السوق الحالية قلبت هذه المعادلة بالنسبة لبعض الطرز المرغوبة.
وقال فرانسيس: «إذا كانت لديك فرصة لتحقيق 10 ملايين دولار من دون بذل أي جهد، فلماذا لا تفعل ذلك؟».
وفي ظل استمرار قوائم الانتظار الطويلة ونقص المعروض من الطائرات الجديدة، يتجه بعض المشترين الذين يرغبون في الاستفادة من ارتفاع الأسعار إلى شركات الطيران الخاص مثل «نت جيتس»، التي تقدم نماذج للملكية الجزئية أو تضمن عدداً محدداً من ساعات الطيران، بدلاً من شراء طائرة جديدة والانتظار سنوات للحصول عليها.
وتشير هذه التطورات إلى أن ندرة الطائرات الخاصة باتت تحول بعض عمليات الشراء من مجرد اقتناء وسيلة سفر فاخرة إلى فرصة لتحقيق مكاسب مالية كبيرة، خصوصاً بالنسبة للطائرات الأكثر طلباً والتي يصعب الحصول عليها سريعاً.
رفاهية الطائرات الخاصة