تناول بعض الكُتّاب الذين تحدثوا إلى «الخليج»، ظاهرة خلود الرواية الكلاسيكية، وفسروها بقدرتها على محاكاة الحياة الواقعية وتحدياتها، ومحاصرة الوجود بالأسئلة والتأمل فيه. وهي عملية لا تنقطع، وتتجول في النصوص التقليدية بكل أريحية دون إقحام أو اختفاء خلف الغموض، مجسدةً صراع القيم في الحياة وفي داخل الإنسان نفسه. وربما تفعل الرواية الحديثة ذلك أيضاً، ولكن بسبل معقدة، فالقارئ الذي يعاني تعقيدات الحياة العصرية يبحث عن البساطة والعمق في الوقت ذاته، ليجد ضالته في الرواية الكلاسيكية.
تتوقف الكاتبة فتحية النمر في البدء عند مصطلح «الرواية الكلاسيكية»، الذي يُوظف أحياناً بحمولة سلبية، إذ يُقصد به الأدب القديم الذي عفا عليه الزمن، انتقاصاً من قدره وتفضيلاً للسرد الحديث. وهذا غير صحيح، وفيه إجحاف كبير وظلم للأدب التقليدي الذي كان البوابة الأولى التي مهدت لتطور السرد. فالرواية الكلاسيكية لا تزال تحظى بمقروئية عالية حتى في أوساط الأجيال الجديدة، لأنها تحتشد بالسحر والجمال والفن شكلاً ومضموناً، بحبكة قوية وبناء محكم يسهل على القراء متابعة أحداثه الواضحة وصولاً إلى النهايات القوية التي ترسخ في الأذهان.
وتذكر فتحية النمر أن أهم عوامل مقروئية تلك الروايات والثقة بمضمونها، هو أن هذه الأعمال الخالدة أُلّفت على يد كُتّاب فاقت شهرتهم ومكانتهم حدود بلدانهم لتعانق العالم أجمع، أمثال: دوستويفسكي، وتشارلز ديكنز، وتولستوي، وفيكتور هوغو، وجين أوستن، وهمينغواي، وغيرهم ممن خُلّدت أسماؤهم وأعمالهم. فحبكة تلك الأعمال لم تكن بسيطة، بل شديدة العمق، وكُتبت بلغة واضحة وتناولت ثيمات الحب والجمال والعدالة والشر والموت وغيرها، وهي مفاهيم تهم إنسان العصر الراهن.
وتقول: «إن الرواية الكلاسيكية ذكية في اختيار شخصياتها، فالشخصية الفنية الثرية مطلب أساسي للرواية الناجحة التي تتسم بالواقعية والإنسانية. وهي الشخصية الموجودة في كل زمان، من لحم ودم، نتعاطف معها فنحبها أو نكرهها. كما يفسح الروائي التقليدي أمامها المساحة الكاملة والحرية الكافية لتعبر عن نفسها بلغتها الخاصة ومستواها وخلفيتها الاجتماعية، لتذهب إلى أبعد ما يمكنها الذهاب إليه. فهذه الشخصيات قلما تجدها ناقصة أو مبتورة أو ضبابية مسطحة غير نامية، فهي تأخذ حقها كاملاً في بنية النص، لأن بناء الشخصيات استغرق جهداً كبيراً وصيغ بإحكام».
وتلفت فتحية النمر إلى أن الشخصيات في الأدب الكلاسيكي راسخة لأنها تجسد أشخاصاً من لحم ودم، مثل: «سانتياغو» في (الشيخ والبحر) لهمينغواي، و«سي السيد» لنجيب محفوظ في (الثلاثية)، وهي شخصيات أصبحت رموزاً، وكذلك «مدام بوفاري». فرغم ظهورها في أمكنة وأزمنة محددة، إلا أنها حملت في داخلها القدرة على البقاء والاستمرارية زمناً بعد زمن، معبرة عن الإنسان بشكل عام.
الواقع والظروف
«هذا أدب وُلد ليبقى ويرسخ»، هكذا يتحدث الكاتب محسن سليمان في سياق تناوله للرواية الكلاسيكية، إذ تعمقت تلك الأيقونات في النفس البشرية على مستوى الأفكار، واختارت اللغة النثرية وعناصر التشويق المتزنة في حبكتها. لذلك يفضلها بعض القراء على روايات اليوم التي قد يشوبها نوع من الجفاف والجمود. وهذا ما جعل الرواية الكلاسيكية تتصدر المشهد حتى يومنا هذا بمكانة لا تُمس، حيث يتجول في النص التقليدي الموقف الفكري، والأطروحة الفلسفية، والتفسير لتصرفات البشر في علاقتهم بواقعهم، فشخصية مثل «جان فالجان» بكل تناقضاتها هي نتاج الظروف المحيطة بها. وفي مثل هذه المقاربات، يجد القارئ الحديث تفسيراً للكثير من المواقف والتصرفات.
ويشدد سليمان على أن الرواية الكلاسيكية، الغربية والعربية، ظلت تسهم في تغذية عقول القراء وتشكيل وعيهم ووجدانهم الروحي عبر السنوات. فهي تمتلك تقاليد يصعب تجاوزها، على عكس كتابات اليوم التي باتت مستباحة من الجميع حتى ممن لا يمتلكون الموهبة. ومع التطور التكنولوجي، أصبحت هناك سهولة في النشر أدت إلى التقليد الأعمى وتكدس الأعمال بلا محتوى حقيقي، إذ صار المنجز ضخماً ويصعب على النقد مجاراته. وحدث تداخل غريب بين الأجناس الأدبية، فصارت كلمة «رواية» تُطلق على أعمال لا تستوفي شروط السرد الروائي. ولعل هذه الفوضى هي أحد أسباب اتجاه القراء نحو كُتّاب يعرفونهم ويثقون بهم، وهو ما يتوفر في الأدب الكلاسيكي.
ويؤكد أن قراءة الأعمال الكلاسيكية شرط لإنتاج أدب حديث، لكن البعض يريد تجاوز هذا التراث الإنساني الكبير دون دراية أو خبرة. فهناك من يريد كتابة الرواية النفسية دون إلمام بعلم النفس، ومن يؤلف في الرواية التاريخية بلا معرفة بالتاريخ أو بحث، لتكون النتيجة مجرد حشو. كما أن الكثير من الروايات الحديثة تميل إلى السيرة الذاتية المباشرة واليوميات السطحية، ما يجعل السرد أقرب إلى التنفيس العاطفي منه إلى البناء الروائي المحكم، فضلاً عن الاعتماد على الاستطراد والحوار المجاني الذي يؤدي إلى تفكك السرد وشعور القارئ بالتشتت والسطحية.
ويذكر سليمان أن التجريب صار في كثير من الحالات نفقاً مظلماً للرواية، فانتشر الهوس بالهندسة المعمارية وتعدد الأصوات بطريقة مُخلّة، وتحولت الشخصيات أحياناً إلى مجرد رموز، أو أصوات باهتة، أو هلوسات داخلية، ما صنع قطيعة عاطفية تامة بين النص والقارئ وقاد إلى نسيان الحكاية نفسها. فالقارئ الذي يبحث عن القصة والمتعة والوضوح يتجه مباشرة صوب السرد الكلاسيكي، بينما صار الأدب الحديث مخصصاً للنخبة ومستهدفاً للنقاد ولجان التحكيم.
خط زمني
أما الكاتبة والناشرة مريم الشناصي، فتشير إلى أن من أهم أسرار بقاء الرواية الكلاسيكية وإعادة طباعتها على مر الزمان، هو أن الخط الزمني في أغلبها واضح ومتصل، إذ لا يميل العديد من القراء إلى تفكيك الزمن والأحداث. كما أن رسم الشخوص وتوظيفها يكون واضحاً، وكذلك الحال في الصراع بين الخير والشر.
وتوضح مريم الشناصي أن العامل المشترك بين أغلب الروايات الكلاسيكية هو الانتقال الواضح من المقدمة إلى الحبكة ثم الانفراجة أو الخاتمة. كما تستند معظم هذه الأعمال إلى القواعد الرومانسية والاجتماعية، باستثناء الأدب الكلاسيكي الروسي الذي يسيطر عليه النزوع الإنساني، إذ لم يكتفِ بتشريح قشرة المجتمع، بل غاص في أعماق الروح البشرية. فعمالقة مثل دوستويفسكي وتولستوي وغوغول لم تشغلهم صالونات الطبقة المخملية أو نهايات الزواج السعيدة، بل أرّقتهم أسئلة الوجود العنيفة، مثل: الخطيئة، والعدالة، والجنون، وغيرها من المفاهيم التي تعمق فيها هذا الأدب.
وتذكر أن إعادة طباعة الأعمال الكلاسيكية، سواء الغربية بكل تياراتها أو العربية، قد تعود لأسباب استثمارية، فنشر رواية جديدة تُعد مخاطرة قد لا يقبل عليها الجمهور إلا باحتمالية ضعيفة أو متوسطة. لذلك يميل الناشر إلى إعادة طباعة المألوف والمعروف بدلاً من المجازفة وتكبد خسائر مالية ولوجستية.
صيغة للقول
من جانبها، تتبع الكاتبة والناقدة د. مريم الهاشمي مسيرة الأدب الروائي في منحنياته المختلفة، لتشير إلى أن الرواية هي صيغة أخرى للقول. وقد اتخذت هذه الصيغة أشكالاً ومرت بتحولات تاريخية بدءاً من الملحمة، والملهاة، والأسطورة، والمسرح، والغناء، والشعر، والمقامات، والمنامات، وصولاً إلى الرواية، التي صارت تسمى بالكلاسيكية لكونها كانت البدء، فواقع البشر يتأثر بما يحيطون به أنفسهم من حكايات تمنحهم، أو يمنحون بها غيرهم، شرعية الانتماء، الانتماء إلى مكان أو فضاء قيمي أو تاريخي أو استشرافي، كسبيل للتحايل على الواقع وإعادة إنتاجه.
ووفقاً لذلك، تؤكد الهاشمي أن الروايات على اختلافها، ومنها الكلاسيكيات، منحت البشر شرعية «الانتماء»، وجعلتهم يتسعون مع اتساع ذاكرة العالم، وأصبحت أكثر قدرة على استيعاب دائرة الإنسانيّ فيها، فلا يوجد وعاء أكثر استيعاباً للذاكرة من السرد.
وتلفت إلى أن امتلاك الكلاسيكيات لسحر وجاذبية خاصة ينطبق كذلك على الفلسفة اليونانية القديمة، والأساطير، وقصص التراث ومروياته. وما يُكتب اليوم من أدب معاصر وحداثي سيكون تاريخاً للأدب وساحراً لأجيال قادمة من القراء. وهذه هي طبيعة الدورة الحياتية التي يمكن إسقاطها على الأزياء، والعمارة، والإبداع السردي والشعري والموسيقي والمسرحي. فهذا لا يعني أن الحاضر يفتقر لإبداعه ورؤاه، بل هي دوائر متصلة وحقب متلاحقة يكمل بعضها بعضاً.
وتختتم مريم الهاشمي حديثها بالإشارة إلى أهمية طرح سؤال: كيف نحافظ على الإرث الإنساني وتراكمه أمام هذا المد التكنولوجي الذي تغدو معه كل الألوان باهتة، وتتشابه به الأذواق، وتُستنسخ شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً؟ فالرواية تحاول أن تمنح البشر حيوات محتملة ومتجددة، وتصاغ بها أسئلة تعجز المفاهيم المجردة عن استيعابها، فهي أداة لاستعادة كل قصص الحياة، من شجاعة، وبخل، وفقد، وحب، وصبابة، ونصر، وبؤس.