في قلب رؤية صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم رأس الخيمة، يأتي بناء الشراكات ومد جسور التعاون والتبادل، اقتصادياً وتنموياً وعلمياً وثقافياً، لتعزيز «الاستدامة» المنشودة، وسعياً وراء «المُشترك» بين الشعوب. جهود استثنائية ومحطات حافلة انطوت عليها زيارة لصاحب السمو حاكم رأس الخيمة إلى «الصين»، امتداداً لروابط تاريخية تعود إلى قرون، حين ربطت التجارة البحرية رأس الخيمة بالصين، عبر تبادل السلع، بما فيها الخزف واللؤلؤ، بموازاة أكثر من 4 عقود من العلاقات الدبلوماسية، بين دولة الإمارات وجمهورية الصين الشعبية، التي تشكل أساساً راسخاً لمواصلة التعاون والعمل المشترك.
في الزيارة التاريخية، أكد صاحب السمو حاكم رأس الخيمة أهمية الاستقرار والثقة والشراكات الراسخة كمحاور لا غنى عنها في دعم النمو الاقتصادي الُمستدام، وتعزيز فرص الاستثمار والتعاون بين رأس الخيمة والمدن والمقاطعات الصينية، في إطار الشراكة المتنامية بين دولة الإمارات وجمهورية الصين الشعبية.
قيمة متبادلة
وفي كلمة رئيسية ألقاها سموه في «قمة رأس الخيمة - الصين للأعمال»، بمدينة شنجن الصينية، التي أقيمت تحت شعار «معاً نحو قيمة مشتركة»، أشار إلى أن آلاف الشركات الصينية رسّخت حضورها في دولة الإمارات، منها أكثر من 400 شركة في رأس الخيمة، مستعرضاً الفرص الاستثمارية المتنامية في الإمارة، في قطاعات التصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية.
القمة جمعت نحو 300 من المسؤولين الحكوميين والمستثمرين وقادة الأعمال، نحو تعزيز الروابط الاقتصادية، واستكشاف فرص جديدة للاستثمار والتعاون بين رأس الخيمة والصين.
قراءة المستقبل
وفي كلمةٍ لافتة، حملت من العمق وقراءة المستقبل فلسفة قائد، قال صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر: نحن لا نقيس تقدمنا بالنجاحات قصيرة المدى، بل بالإرث، الذي نتركه للأجيال القادمة، إذ نبني اقتصاداً مرناً ومتنوعاً ومتكاملاً مع سلاسل الإمداد العالمية، مع الحفاظ على جودة الحياة والفرص، التي تجعل من رأس الخيمة مكاناً متميزاً للعيش، والعمل، وممارسة الأعمال.
في ضوء ذلك، تجاوزت الزيارة اللحظة الراهنة إلى «المستقبل الواعد»، وامتدت إلى إرث تاريخي من العلاقات الثنائية، عقود من علاقات الصداقة الوثيقة، ليؤكد سموه: «نتطلع إلى تعميق الروابط بين رأس الخيمة والمدن والمقاطعات الصينية، بما يرسخ مستقبلاً حافلاً بالفرص المستدامة».
مشروع استثنائي
ولأن صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر يحمل مشروعاً استثنائياً، يحفل بملفات التنمية والبناء والتحديث والاستدامة وصياغة المستقبل وتوثيق عرى العلاقات الإنسانية، سلّط الضوء على الموقع الاستراتيجي لرأس الخيمة، بوصفها البوابة الشمالية لدولة الإمارات، وما تتيحه الإمارة للشركات الصينية من وصول إلى الأسواق المتنامية، في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، بما يتكامل مع أهداف مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
طموحات مشتركة
ويضع صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، البُعد العملي وما يمكن أن تجنيه الزيارة التاريخية إلى «الصين» من عوائد تنموية مُستدامة على رأس أولوياته، لتجمع القمة شركات صينية مع عدد من الجهات الاقتصادية والتنموية في رأس الخيمة، لإلقاء الضوء على الفرص المتاحة في قطاعات رئيسية وناشئة، بينما تناولت النقاشات آليات تحويل الطموحات المشتركة إلى استثمارات، وشراكات تجارية، ومشاريع عملية.
128 مليون نسمة
وتقع «شنجن» في مقاطعة قوانغدونغ الصينية، التي يتجاوز عدد سكانها 128.6 مليون نسمة، وتشكل صاحبة أكبر اقتصاد بين المقاطعات الصينية، بناتج محلي إجمالي بلغ نحو تريليوني دولار أمريكي، ما يعادل 7.34 تريليون درهم، في 2025.
وتعد «قوانغدونغ» مركزاً صناعياً رئيسياً، وتشمل أبرز قطاعاتها الإلكترونيات، والسيارات، والمنسوجات، والأدوية، والصناعات عالية التقنية، والتمويل، والعقارات، وشهد سموه توقيع اتفاقية لشركة AJT المتخصصة في قطاع التغليف، والتي تعد من أكبر الشركات العاملة في هذا المجال في الشرق الأوسط.
محطة بارزة
وفي واحدة من أبرز المحطات ضمن أجندات الزيارة، افتتح صاحب السمو حاكم رأس الخيمة أول مكتب لرأس الخيمة لاستشارات الأعمال في الصين، في مدينة قوانغتشو، عاصمة مقاطعة قوانغدونغ، في خطوة ترمي إلى توسيع مجالات التعاون والشراكة مع الجهات والمؤسسات الصينية.
وقال صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، في كلمة تجمع بين الرؤية والحكمة، خلال حفل الافتتاح: علمتنا تجاربنا وتاريخنا أن الشركاء لا يبحثون عن الفرص وحدها، بل عن الاستقرار والشفافية والحوكمة والالتزام، وهذه هي البيئة، التي بنيناها في رأس الخيمة.
الهدف من وراء افتتاح مكتب رأس الخيمة في «قوانغتشو» الصينية، كما ورد على لسان سموه، أن يُشكل «حضوراً دائماً في مسيرتنا المشتركة، بما يسهم في تعزيز الروابط بين شعبينا وثقافتينا وقطاعاتنا الصناعية».
لقاءات رفيعة المستوى
أجندة صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، في الصين، اشتملت على سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى، مع قادة مؤسسات وشركات صينية استمرت ستة أيام، وشملت مقاطعتي قوانغدونغ وفوجيان، لبحث سبل توسيع آفاق التعاون والاستثمار، في عدد من القطاعات الرئيسية.
صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، قال خلال لقاءاته مع قادة الأعمال في الصين: «ترتكز روابط رأس الخيمة المتنامية مع شركائنا في جمهورية الصين الشعبية على التزام مشترك بالتعاون طويل الأمد، وتعزيز الابتكار، وتحقيق الازدهار.. نثمّن فرص التواصل المباشر مع المؤسسات والشركات الصينية الرائدة، التي تتيح تبادل المعارف والخبرات، وتفتح مسارات جديدة للاستثمار والعمل المشترك ومن خلال تعميق هذه الروابط، يمكننا تحقيق قيمة مستدامة تتيح فرصاً واعدة لشعبينا».
الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية من المحطات الهامة في «رحلة الصين»، زار سموه شركة «يو بي تك روبوتيكس» العالمية، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية، حيث شهد توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين مكتب العلاقات الدولية في حكومة رأس الخيمة والشركة، لوضع إطار للتعاون في مجالات البحوث المتقدمة، والاختبارات الميدانية، والتشغيل الفعلي لأنظمة الروبوتات البشرية في الإمارة.
النقل الجوي المتقدم
وزار سموه منشأة التصنيع الذكي، التابعة لشركة «أريدج»، في قوانغتشو، بعد توقيع هيئة رأس الخيمة للمواصلات ودائرة الطيران المدني برأس الخيمة اتفاقية تعاون معها، مؤخراً، لتعزيز التنقل الجوي المتقدم في الإمارة.
وزار سموه مركز شنجن لتخطيط النقل الحضري «إس يو تي بي سي»، وشهد توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي في مجالي النقل الذكي والاقتصاد منخفض الارتفاع.
وفي قوانغتشو، زار سموه المقر الرئيسي لشركة «فيب شوب»، إحدى شركات التجارة الإلكترونية الكبرى في الصين، واطلع على عملياتها وأنشطتها.
«رأس الخيمة.. حيث تلتقي الجبال بالبحر»
من منطلق اهتمام صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي بالإبداع والعلم، في الزيارات الرسمية والدبلوماسية، بما يمثله سموه كأحد «رُعاة الإبداع»، كرم 12 طالباً في مدارس قوانغتشو، ممن فازوا بمسابقة رسم خاصة تحت شعار «رأس الخيمة.. حيث تلتقي الجبال بالبحر»، بعد أن جسّدوا في لوحاتهم رؤيتهم للإمارة.
حملت الرسومات رؤى الطلبة العفوية عن رأس الخيمة، من وحي ما قرؤوه وتخيلوه عنها، لتجمع بين الجبال والبحر والقلاع والسفن الشراعية واللؤلؤ والصقور والغزلان والصحراء وأشجار القرم والمناطيد، مع مشاهد من الحياة والتراث والثقافة، في لوحات صادقة ودافئة تنبض بروح رأس الخيمة وثقافتها.
صاحب السمو حاكم رأس الخيمة قال، مُعقباً على ما شاهدهُ في لوحات الطلبة: «رأيتُ فيها رأس الخيمة بعيون أجيالٍ جديدة من أصدقائنا في الصين. الفن لغة تسبق اللقاء، وهذه الرسوم بداية صداقة تبدأ من الأطفال وتكبر معهم».