تتجه الأنظار إلى رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، خلال اجتماع رؤساء حكومات دول الكومنولث في أنتيغوا هذا الأسبوع، وسط تصاعد المطالبات الدولية بمحاسبة بريطانيا على دورها التاريخي في تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي.
وفي تحول لافت في الموقف البريطاني، أبدى بيرنهام انفتاحه على إجراء حوار بشأن العدالة التعويضية، بعدما كانت الحكومات البريطانية السابقة تستبعد مناقشة هذا الملف، بحسب ما نشرته صحف بريطانية.
اعتذار بريطاني محتمل بعد قرون من تجارة العبيد
قال بيرنهام إن بريطانيا بحاجة إلى مواجهة تاريخها بصراحة، بدلاً من تجاهل إرث العبودية، معتبراً أن الاعتراف بمشاركة البلاد في تجارة البشر لا يتعارض مع دورها اللاحق في قيادة جهود إلغاء العبودية.
تأتي تصريحاته قبل اجتماعه مع قادة دول الكومنولث، في وقت لم تقدم فيه المملكة المتحدة اعتذاراً رسمياً عن دورها في تجارة العبيد، رغم أن بعض المؤسسات البريطانية، ومن بينها كنيسة إنجلترا، بدأت الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن هذه الممارسات.
لماذا ترفض بريطانيا دفع تعويضات العبودية؟
رغم انفتاحه على الحوار بشأن العدالة التعويضية، رفض بيرنهام مطالب تقديم تعويضات مالية مباشرة، متمسكاً بموقف حكومات بريطانية سابقة، من بينها حكومة كير ستارمر.
وقال إن المواطنين البريطانيين المعاصرين لا يمكن تحميلهم المسؤولية عن أخطاء تاريخية ارتُكبت في حقبة مختلفة، وتحت قوانين مغايرة، ولم يشاركوا فيها بصورة شخصية.
وتشير تقديرات أعدها باحثون لصالح جامعة جزر الهند الغربية، بالتعاون مع مجموعة «براتل» الاستشارية الأمريكية، إلى أن قيمة التعويضات المطالبة بها بريطانيا تصل إلى 26.2 تريليون دولار، بما يعادل نحو 19.7 تريليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ يفوق ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي البريطاني.
إعادة هيكلة الديون..البديل البريطاني للتعويضات
في مقابل رفض التعويضات المباشرة، طرح رئيس الوزراء البريطاني مساراً اقتصادياً لمساعدة الدول الفقيرة داخل الكومنولث، يقوم على التعاون مع الدول الغنية والمستثمرين لإعادة هيكلة الديون، وإطالة فترات السداد وخفض أسعار الفائدة.
كما أعلن الاستعانة برئيس الوزراء البريطاني الأسبق جوردون براون للمساعدة في هذا الملف، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن الدول الأكثر احتياجاً.
دول الكاريبي: الاعتذار وحده لا يكفي
رحبت مجموعة دول الكاريبي «كاريكوم» باستعداد بيرنهام للنظر في تقديم اعتذار رسمي، واعتبرت أن تصريحاته تمثل خطوة مهمة في مسار لم يصل إليه أي رئيس وزراء بريطاني سابق بهذا الوضوح.
لكن فيليب جوزيف بيير، رئيس وزراء سانت لوسيا ورئيس المجموعة، شدد على أن بدء الحوار مع استبعاد التعويضات مسبقاً لا يمكن أن يؤدي إلى معالجة مكتملة للقضية.
وتشمل المطالب الكاريبية تحسين خدمات التعليم والصحة العامة، وإطلاق برامج تنموية للسكان الأصليين، وإعادة توطين الراغبين في العودة إلى بلادهم، إلى جانب إلغاء الديون والتعويضات المالية.
كيف أصبحت بريطانيا إحدى أكبر دول تجارة العبيد؟
بدأ انخراط بريطانيا في تجارة العبيد خلال منتصف القرن السادس عشر، بعد البرتغال وإسبانيا، قبل أن تصبح في ذروة نشاطها أكبر دولة في العالم في تجارة الرقيق، وتنقل أكثر من 3 ملايين إفريقي عبر المحيط الأطلسي.
وخلال القرن السابع عشر، تولت شركة إفريقيا الملكية، التي تأسست في عهد الملك تشارلز الثاني وأدارها شقيقه الذي أصبح لاحقاً الملك جيمس الثاني، نقل نحو 80 ألف رجل وامرأة وطفل إفريقي إلى العبودية في الأمريكتين، وتوفي قرابة 20 ألفاً منهم قبل انتهاء احتكار الشركة لتجارة العبيد الإنجليزية عام 1698.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، تصاعدت حركة إلغاء العبودية في إنجلترا، بدعم من جماعات دينية وسياسيين وأشخاص سبق أن تعرضوا للاستعباد، وصولاً إلى حظر تجارة العبيد عام 1807، ثم إلغاء العبودية في أنحاء الإمبراطورية البريطانية عام 1833.
الملك تشارلز أمام مطالب الاعتذار والتعويضات
يتزامن الجدل السياسي مع زيارة الملك تشارلز الثالث لمنطقة الكاريبي، التي تستمر 9 أيام، إذ أقر بما وصفه بالمعاناة الكبيرة والمظالم التي شهدها الماضي، لكنه لم يعلن اعتذاراً رسمياً أو يستجب للمطالب المباشرة بالتعويضات.
ويكتسب موقف الملك أهمية إضافية باعتباره لا يزال رأس الدولة في عدد من دول الكاريبي، التي تطالب بمراجعة إرث العلاقة التاريخية مع التاج البريطاني.
قمة الكومنولث تختبر حدود التغيير البريطاني
تضع قمة الكومنولث في أنتيغوا موقف بيرنهام الجديد أمام اختبار سياسي ودبلوماسي، مع مشاركة قادة دول تجمع 56 دولة مستقلة، نشأ عدد كبير منها في إطار الإمبراطورية البريطانية السابقة.
وبينما تبدو لندن مستعدة للانتقال من رفض مناقشة العدالة التعويضية إلى قبول الحوار بشأنها، فإن رفض التعويضات المالية يكشف استمرار الخلاف حول جوهر القضية.