الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

روح المسيرة الطويلة تنير دروب المسيرة الجديدة

2 نوفمبر 2026 16:18 مساء | آخر تحديث: 2 نوفمبر 2026 16:22 مساء
دقائق القراءة - 4
شارك
share
روح المسيرة الطويلة تنير دروب المسيرة الجديدة
يُصادف يوم 22 أكتوبر 2026 مناسبةً ذات دلالة خاصة في تاريخ الشعب الصيني؛ ففي مثل هذا اليوم قبل 90 عامًا، حقق الجيش الأحمر للعمال والفلاحين الصينيين نصرًا عظيمًا بعد مسيرة طويلة استمرت عامين، ونجح في فتح آفاق جديدة للثورة الصينية.
في عام 1934، كانت الصين تواجه أزمات داخلية وتهديدات خارجية متفاقمة؛ فعلى الصعيد الخارجي، كثّفت اليابان عدوانها على الصين، وعلى الصعيد الداخلي، تعرّض الحزب الشيوعي الصيني والجيش الأحمر الذي يقوده لحملات عسكرية واسعة النطاق شنّتها قوات الكومينتانغ، حتى بلغا منعطفًا حاسمًا يهدد وجودهما ومصيرهما. وفي أكتوبر من العام نفسه، بدأ الجيش الأحمر، بقيادة الحزب، انسحابه الاستراتيجي وانطلاقه في مسيرة طويلة
وعلى مدى عامين، تمكّنت تشكيلات الجيش الأحمر المختلفة من كسر حصار مئات الآلاف من جنود العدو وملاحقتهم وتطويقهم، واجتازت الجبال الشاهقة المغطاة بالثلوج، وعبرت المستنقعات والأراضي العشبية الوعرة، وجابت أكثر من عشر مقاطعات، قاطعةً مسافة بلغت ما يقارب 12,500 كيلومتر. وخاضت خلال هذه الرحلة أكثر من 600 معركة، إلى أن التقت قوات الجيش الأحمر في أكتوبر عام 1936، معلنةً بذلك الانتصار العظيم للمسيرة الطويلة.
وعند انطلاق المسيرة، تجاوز عدد القوات الرئيسية للجيش الأحمر 86 ألف مقاتل، لكن لم يصل إلى شمال مقاطعة شنشي سوى ما يزيد قليلًا على 7 آلاف مقاتل. وتشير التقديرات الواردة إلى أن المسيرة شهدت استشهاد مقاتل واحد في المتوسط عن كل 300 متر من الطريق.
لقد شكّلت المسيرة الطويلة ملحمةً استثنائية لا مثيل لها في تاريخ الصين، بل وفي تاريخ البشرية، كما مثّلت نقطة تحوّل مفصلية مكّنت الثورة الصينية من تجاوز أخطر مراحلها،ومهّدت طريقها نحو النصر.
لقد عملتُ سابقًا في مقاطعة شنشي الصينية، تلك الأرض التي شكّلت المحطة الأخيرة لانتصار المسيرة الطويلة للجيش الأحمر الصيني، ولذلك أكنّ لهذا الفصل من التاريخ مشاعر عميقة وارتباطًا وجدانيًا خاصًا.
في متحف النصب التذكاري لإنتصار المسيرة الطويلة للجيش الأحمر المركزي ، بمدينة يانآن، بمقاطعة شنشي الصينية.، توجد جرّة ماء قديمة تتناقل الأجيال قصتها. تتخلّل سطحها شقوق كثيرة، رُمّمت بالطين وشرائط الخيزران، وأطلق عليها الناس اسم «قِدر الجيش الأحمر».
وراء هذه الجرّة حكاية مؤثّرة؛ فقد وصل الجيش الأحمر إلى شمال شنشي في أواخر الخريف، حين كانت درجات الحرارة ليلًا تقترب من الصفر المئوي. وكان الجنود يعانون الجوع والبرد، حتى إنهم لم يجدوا ما يكفي من القدور لإعداد الطعام. عندها بادر أحد أبناء القرية إلى إعارة الجنود جرّة الماء التي يملكها، ليستخدموها في طهي الأرز.لكن الجرّة تشقّقت فجأة أثناء الطهي، فتبعثرت حبات الأرز على الأرض. ولم يشأ الجنود أن يضيّعوا شيئًا من الطعام، فانحنوا على الأرض، يلتقطون الحبات واحدة تلو الأخرى، ويأكلونها حرصًا على ألّا تُهدر نعمةٌ هم في أمسّ الحاجة إليها.
وعندما همّوا بالرحيل، لم يكتفوا بتنظيف الجرّة وإعادتها إلى صاحبها، بل أصرّوا على تعويضه بقطعتين من الفضة. وحين رفض الرجل أخذ المال، قالوا له بإصرار:
«هذه هي قواعد الانضباط؛ إن لم تقبل التعويض، فسنكون قد خالفنا الانضباط العسكري».لقد غدت هذه الجرّة المتشقّقة شاهدًا صامتًا على تمسّك جنود الجيش الأحمر بانضباط صارم لا يتزعزع، حتى في أحلك الظروف وأقساها. وهي تجسّد روح المسؤولية والنزاهة واحترام حقوق الناس، وتكشف عن عمق الصلة التي ربطت الجيش بالشعب.فقد كان ذلك جيشًا يحمل هموم الشعب في قلبه، ويجعل الانضباط مبدأً لا يحيد عنه، والناس غايته التي يسعى إلى خدمتها. ومن هنا نال ثقة الجماهير وتأييدها، وحظي بدعمها ومساندتها، حتى شقّ طريقه نحو النصر الثوري، وأسهم في تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
تحتلّ المسيرةُ الطويلة مكانةً استثنائيةً في وجدان الشعب الصيني، لما خلّفته من إرثٍ روحيٍّ ثمينٍ وقيمٍ خالدة. وفي 22 أكتوبر 2026، لخّص الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال مراسم إحياء الذكرى التسعين لانتصار المسيرة الطويلة للجيش الأحمر الصيني للعمّال والفلاحين ، العواملَ التي مهّدت لتحقيق هذا الانتصار التاريخي، مؤكّدًا أنّها تتمثّل في : القيادة الصحيحة للحزب، والإرادة الثورية الراسخة، والاعتماد على الذات والالتزام بالحقيقة والواقع، فضلًا عن دعم جماهير الشعب الواسعة.
يمضي الشعب الصيني اليوم في مسيرة «المسيرة الطويلة الجديدة»، نحو تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية على نحو شامل من خلال التحديث على الطريقة الصينية.فمنذ دخول الصين العصر الجديد، حققت إنجازًا تاريخيًا بالقضاء على الفقر المدقع، وتمكنت من بلوغ أهداف الحد من الفقر الواردة في خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 قبل الموعد المحدد بعشر سنوات. ومن استكشاف القمر عبر برنامج «تشانغ آه» وإنشاء المحطة الفضائية الصينية، إلى التطور المتسارع في صناعة المركبات العاملة بالطاقة الجديدة وازدهار قطاع الذكاء الاصطناعي، تواصل الصين تحقيق اختراقات جديدة في مجالي الابتكار التكنولوجي والتحول الأخضر.وما كان لهذه الإنجازات أن تتحقق لولا التمسك بالقيادة السليمة للحزب الشيوعي الصيني، والاعتماد على الذات، والالتزام بالواقعية والموضوعية، فضلًا عن توحيد جهود الشعب ومواصلة النضال جيلًا بعد جيل.وبعد مرور تسعين عامًا، لا تزال روح المسيرة الطويلة تشكّل قوة دافعة هائلة لمسيرة الصين نحو التحديث. وإن مقومات النصر التي صنعت نجاح المسيرة الطويلة هي ذاتها التي ترسم اليوم طريق النجاح أمام جمهورية الصين الشعبية في مسيرتها التنموية.
إن تنمية الأوطان مسيرة متواصلة لا تعرف التوقف، وهذا ينطبق على الصين كما ، فالصين، شأنها شأن سائر دول العالم، تواصل المضيَّ في هذا الطريق. وقد واجهت كلٌّ من الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة تحدياتٍ في مسيرتيهما التنموية، وتمكّنتا من شقّ طريقٍ تنمويٍّ يتناسب مع ظروفها الوطنية.واليوم، في ظل التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم ، ومع انطلاق موجة جديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية، تواصل الدولتان سعيهما لاقتناص الفرص ومواجهة التحديات، بما يهيّئ لشعبيهما سبلَ حياةٍ أفضل ومستقبلًا أكثر ازدهارًا.
وكما تقول الحكمة الصينية القديمة: (من جمعهم هدف واحد، لا تباعد بينهم الجبال والبحار..) ، فعلى الرغم من المسافات التي تفصل الصين عن دولة الإمارات، فإنهما تتشاركان تطلّعًا راسخًا إلى تنمية الوطن، وتحقيق رفاه الشعب، وصناعة مستقبلٍ أكثر إشراقًا.
وإننا لنتطلّع إلى أن يواصل البلدان تبادل الدعم، وتعزيز التعاون، والسير جنبًا إلى جنب على درب التحديث والنهضة، حتى تتحوّل رؤاهما التنموية المشتركة إلى واقعٍ ملموس، وتُثمر شراكتهما مزيدًا من التقدّم والازدهار لشعبيهم .

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة