ثلاثة أعوام من العطاء الإنساني المتواصل، سطرت خلالها دولة الإمارات، مسيرة حافلة بالمبادرات والمشروعات الإغاثية والطبية والخدمية لدعم الأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة، عبر عملية «الفارس الشهم 3»، التي انطلقت في الخامس من نوفمبر 2023، بتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لتتحول على مدار السنوات الثلاث إلى منظومة إنسانية متكاملة، تجاوزت المساعدات المقدمة من خلالها 136 ألف طن، بقيمة 4.16 مليار دولار.
لم تكن السنوات الثلاث الماضية مجرد محطات متتابعة لإيصال المساعدات، بل شهدت تطوراً مستمراً في طبيعة التدخلات الإنسانية الإماراتية، بدءاً من الاستجابة الطارئة وتجهيز الشحنات الإغاثية والطبية، مروراً بإنشاء المستشفيات وتشغيل المرافق الصحية وتوفير المياه والغذاء، وصولاً إلى برامج التأهيل الطبي والإجلاء والعلاج، والمبادرات المتخصصة التي استهدفت الأطفال والمرضى والمصابين والأسر النازحة، في إطار جهود متواصلة للتخفيف من المعاناة الإنسانية وتوفير الاحتياجات الأساسية للأشقاء الفلسطينيين.
محمد الشريف
أرقام المساهمة
وفي حصيلة تعكس اتساع نطاق هذه الجهود، بلغت مساهمة دولة الإمارات 46% من إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية المقدمة إلى قطاع غزة، وفقاً للإحصاءات الرسمية للعملية، فيما نقلت المساعدات عبر 792 طائرة و26 سفينة و14,711 شاحنة، وتنفيذ 81 عملية إسقاط جوي ضمن عملية «طيور الخير»، بمشاركة 218 طائرة، حملت 4,076 طناً من المساعدات، في وقت واصلت فيه الفرق الإماراتية العمل عبر منظومة لوجستية تربط بين دولة الإمارات ومدينة العريش المصرية وقطاع غزة.
وأكد محمد الشريف، المتحدث الرسمي باسم عملية «الفارس الشهم 3»، في تصريحات خاصة ل «الخليج» بمناسبة الذكرى الثالثة لانطلاق العملية، أن توجيهات القيادة الرشيدة شكلت الأساس الذي انطلقت منه الجهود الإنسانية الإماراتية، وأسهمت في استمراريتها وتوسيع نطاق تدخلاتها على مدار السنوات الثلاث الماضية، مشيراً إلى أن العملية لم تقتصر على الاستجابة للاحتياجات العاجلة، وإنما امتدت إلى تنفيذ مشروعات صحية وغذائية ومائية وتأهيلية.
توجيهات القيادة
وقال الشريف إن عملية «الفارس الشهم 3» انطلقت بتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي أمر قيادة العمليات المشتركة في وزارة الدفاع ببدء عملية إنسانية لإغاثة الشعب الفلسطيني الشقيق في قطاع غزة، استجابةً للظروف الإنسانية الصعبة التي يواجهها السكان.
وأوضح أن توجيهات سموّه شملت التنسيق مع هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، ومؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، وغيرها من المؤسسات والجمعيات الإنسانية في الدولة، وفتح باب التطوع أمام الكوادر الطبية والمتطوعين المسجلين لدى الجهات المختصة. وأضاف أن هذه التوجيهات ترجمت منذ اللحظات الأولى إلى تحرك إنساني متكامل، شمل تجهيز المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية، وتسيير الطائرات والسفن والقوافل البرية، وإنشاء منظومة لوجستية لتأمين وصول المساعدات إلى المحتاجين، فيما امتدت الاستجابة إلى إنشاء المستشفيات والمراكز الطبية، وتوفير المياه والغذاء، وتنفيذ المبادرات الإنسانية المتخصصة.
حصيلة 3 أعوام
وعن أبرز الإنجازات، قال الشريف إن إجمالي المساعدات المقدمة ضمن عملية «الفارس الشهم 3» تجاوز 136 ألف طن، بقيمة تزيد على 4.16 مليار دولار، نُقلت من خلال 792 طائرة و26 سفينة و14,711 شاحنة.
وأضاف أن نسبة مساهمة دولة الإمارات بلغت 46% من إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية المقدمة إلى قطاع غزة، وفقاً للإحصاءات الرسمية للعملية.
وأوضح أن عملية «طيور الخير» نفذت 81 عملية إسقاط جوي، بمشاركة 218 طائرة، وبإجمالي مساعدات 4,076 طناً، في إطار الجهود الرامية إلى إيصال الإغاثة إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها براً. وأشار إلى أن جهود العملية امتدت إلى القطاع التعليمي بتقديم 45 منحة دراسية، وتعزيز التعاون مع 26 منظمة وجهة شريكة دولية، بما يسهم في توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتنويع مجالات الدعم.
المرحلة المقبلة
وفيما يتعلق بمستقبل العملية، أوضح الشريف أن الأولويات خلال المرحلة المقبلة تتركز على مواصلة دعم القطاع الصحي، وتوفير الاحتياجات الغذائية والمائية، وتنفيذ المبادرات الإغاثية الموسمية، وفي مقدمتها «كسوة الشتاء»، واستمرار برامج التأهيل الطبي والإجلاء والعلاج وفقاً للحاجة.
محطات تحلية
وتابع أن الجهود امتدت إلى توفير المياه الصالحة للشرب بإنشاء محطات تحلية المياه الإماراتية في رفح المصرية، ومواصلة تسيير سفن المساعدات الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الغذائية والطبية والإيوائية، وتنفيذ المبادرات الإغاثية الموسمية وتوفير المستلزمات الشتوية، والبرامج الطبية والتأهيلية بالتعاون مع المؤسسات الإنسانية الإماراتية والشركاء المعنيين.
وأوضح أن تنفيذ عملية إنسانية بهذا الحجم استند إلى توحيد جهود الجهات الحكومية والمؤسسات الإنسانية والخيرية والفرق المتخصصة، ووضع آليات للتنسيق وتحديد الأولويات وتجهيز المساعدات، لضمان سرعة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وقال إن العمل جرى بمنظومة مترابطة بين دولة الإمارات ومدينة العريش المصرية وقطاع غزة، حيث تولّت الجهات المشاركة داخل الدولة حشد الموارد وتجهيز الشحنات، فيما تولّت الفرق في العريش استقبال المساعدات وفرزها وتجهيزها، تمهيداً لإيصالها إلى داخل القطاع عبر المسارات المتاحة.
استجابة متجددة
وأكد الشريف، أن آليات العمل الإنساني تطورت بتواصل، انطلاقاً من توفير الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية، وصولاً إلى تشغيل المرافق الصحية وتنفيذ المشروعات الإنسانية في المياه والغذاء والتأهيل الطبي، موضحاً أنه في ظل إغلاق المعابر وتعذر إدخال المساعدات عبر المسارات البرية خلال مراحل من العملية، عملت الفرق على إيجاد حلول بديلة لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، من أبرزها تنفيذ عمليات الإسقاط الجوي ضمن عملية «طيور الخير»، لإيصال المساعدات إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها براً.
وأضاف أنه مع تغير الأوضاع الميدانية، توسعت التدخلات لتشمل دعم المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات المتنقلة، وتوفير الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية، إلى جانب مشروعات المياه والمخابز والمطابخ الشعبية وتوزيع المواد الغذائية والإيوائية.
تحديات ميدانية
وعن أبرز الصعوبات التي واجهت العملية، قال الشريف إن الفرق تعاملت مع تحديات ميدانية ولوجستية كبيرة، في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة، واستمرار النزوح، وتضرر البنية التحتية والمرافق الحيوية، وصعوبة حركة المساعدات داخل قطاع غزة.
وأوضح أن القيود المفروضة على حركة المساعدات عبر المعابر، والصعوبات المرتبطة بالنقل والتوزيع، والتزايد المستمر للاحتياجات الإنسانية والطبية، شكّلت تحديات رئيسية أمام تنفيذ المهام الإغاثية.
رعاية صحية
وفي استعراضه لأبرز المشروعات الإنسانية، أكد الشريف أن دولة الإمارات حرصت، منذ انطلاق العملية، على الجمع بين تقديم المساعدات العاجلة وتنفيذ مشروعات توفر الخدمات الأساسية للسكان، خصوصاً في الرعاية الصحية والمياه والغذاء.
وأوضح أن العملية أنشأت المستشفى الميداني الإماراتي داخل قطاع غزة، بسعة 200 سرير، وقدّم خدماته إلى 172,246 مريضاً ومصاباً، والمستشفى الإماراتي العائم في مدينة العريش المصرية، بسعة 100 سرير، وقدّم خدماته إلى 35,153 مريضاً.
وأضاف أن الجهود الصحية شملت دعم 33 مستشفى، وتوفير 33 سيارة إسعاف، وتقديم خدمات طبية متنوعة، وتنفيذ مبادرات الإجلاء الطبي والتأهيل، وتوفير 198 طرفاً اصطناعياً للمصابين.
مياه وغذاء
وفي مجال المياه، أوضح الشريف أن العملية أسهمت في إنشاء ودعم 115 بئراً، وتوفير 36 صهريج مياه و68 خزاناً، وتنفيذ مشروع خط المياه الإماراتي الممتد لمسافة 7.5 كيلومتر، ويربط محطات تحلية المياه الإماراتية في الجانب المصري بمنطقة تل السلطان داخل قطاع غزة. والخط يتمتع بطاقة ضخ تبلغ نحو مليوني غالون من المياه الصالحة للشرب يومياً.
وفي الأمن الغذائي، أشار إلى دعم 42 مخبزاً و71 مطبخاً شعبياً، لتوفير الخبز والوجبات الغذائية للأسر والنازحين.
خلف الكواليس.. منظومة متكاملة من التخطيط والتنفيذ
تحدث محمد الشريف عن طبيعة العمل اليومي للفرق، في عملية «الفارس الشهم 3»، وقال: منظومتها متكاملة من التخطيط والتنسيق والمتابعة والتنفيذ، تربط بين دولة الإمارات ومدينة العريش المصرية وقطاع غزة، بالتعاون مع المؤسسات الإنسانية والشركاء المعنيين.
وأوضح أنه داخل الإمارات يجري التنسيق مع الجهات المشاركة لتجهيز المساعدات وحشد الموارد وترتيب عمليات الشحن والنقل. فيما يتولى المركز اللوجستي في العريش استقبال المساعدات القادمة جواً وبحراً، وفرزها وتخزينها وتجهيزها للنقل إلى قطاع غزة عبر المسارات المتاحة.
وأكد أن تكامل الجهود الإنسانية يرتبط بمساهمات المؤسسات والجهات الإماراتية المشاركة ضمن «شركاء في العطاء»، وفي مقدمتها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، ووكالة الإمارات للمساعدات الدولية، ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، ومؤسسة زايد الخير، ومبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، وهيئة الأعمال الخيرية العالمية، وجمعية الشارقة الخيرية، وجمعية دار البر، وجمعية الإحسان الخيرية، وغيرها من المؤسسات والجمعيات الإماراتية. وأوضح أن العملية تتعاون أيضاً مع 26 منظمة وجهة شريكة دولية.
قصص تعيش في الوجدان
لم تغب القصص الإنسانية عن مسيرة العملية، إذ أكد محمد الشريف أن الفرق عايشت خلال السنوات الثلاث الماضية مواقف مؤثرة وقصص إنسانية ستبقى في الوجدان، خصوصاً مع الأطفال والمرضى والمصابين الذين واجهوا أوضاعاً صحية ومعيشية بالغة الصعوبة.
واستعرض قصة الطفل حاتم عوض، الذي تعرض لحروق شديدة، وجرى إجلاؤه من قطاع غزة إلى دولة الإمارات لتلقّي العلاج الطبي المتقدم، حيث أسهمت الرعاية التي تلقاها في إنقاذ حياته وتحسن حالته الصحية.
وأشار كذلك إلى قصة الطفل عدي، الذي وجد في دولة الإمارات الرعاية الطبية والأمان، وتمكن من التعافي واستعادة ابتسامته وأمله بالحياة.
وأوضح أن هذه القصص تجسد جانباً من الأثر الإنساني للمبادرات الطبية، سواء عبر المستشفيات الإماراتية أو برامج العلاج والإجلاء الطبي، التي أسهمت في توفير الرعاية اللازمة للمرضى والمصابين والتخفيف من معاناتهم.
وأكد أن أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة إلى الفرق الإنسانية تتمثل في استعادة مريض لصحته، أو عودة طفل إلى حياته الطبيعية، أو حصول أسرة على احتياجاتها الأساسية بعد مرحلة من المعاناة.
ترجمة القيم إلى واقع
أكد محمد الشريف، أن رسالة عملية «الفارس الشهم 3» إلى الأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة تتمثل في أن دولة الإمارات، ستواصل الوقوف إلى جانبهم، انطلاقاً من نهجها الإنساني الراسخ وقيمها الأصيلة في التضامن والعطاء ومساندة المحتاجين، وحرصها على التخفيف من معاناة الأسر والأطفال والمرضى والمصابين.
وأكد أن العملية جسدت خلال السنوات الثلاث الماضية رؤية القيادة الرشيدة في أن يكون العمل الإنساني فعلاً مستمراً يترجم القيم إلى مبادرات ومشروعات ملموسة، ويجمع بين سرعة الاستجابة واستدامة العطاء.