الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الرؤية الصينية عن الحوكمة العلمية

6 نوفمبر 2026 10:45 صباحًا | آخر تحديث: 6 نوفمبر 2026 10:46 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الرؤية الصينية عن الحوكمة العلمية
في دولة الإمارات العربية المتحدة، يُعد «المجلس» مكانةً راسخة في الوجدان المجتمعي، فهو ليس مجرد مساحة للقاء، بل تقليد أصيل تتجسّد فيه قيم التواصل والتشاور والحوار المباشر بين القيادة وأفراد المجتمع. ففي رحاب المجالس، تُطرح الآراء، وتُناقش الشؤون العامة، وتُنقل تطلعات الناس واحتياجاتهم إلى أصحاب القرار. ومن هنا تتجلّى إحدى ركائز الحوكمة الرشيدة، وهي الإصغاء إلى المجتمع، وتعزيز المشاركة، وجعل خدمة الإنسان محوراً للعمل الحكومي . 
وتحمل الصين بدورها محطة تاريخية بارزة في البحث عن سبل ترسيخ الحكم الرشيد واستدامته. ففي صيف عام 1945، وفي أحد الكهوف بمدينة يانآن، دار حوار لافت بين هوانغ يان بي، الشخصية الديمقراطية البارزة، وماو تسي تونغ، حول ما أسماه «الدورة التاريخية»؛ تلك الظاهرة التي تبدأ فيها القوى السياسية بزخم وحيوية، ثم يتراجع أداؤها تدريجياً بعد الوصول إلى السلطة. وكان السؤال الذي طرحه هوانغ جوهرياً: كيف يمكن تجنّب تكرار هذه الدورة؟ فجاء جواب ماو تسى تونغ بأن رقابة الشعب على الحكومة تجعلها أكثر حرصاً على أداء مسؤولياتها، وأقل قابلية للتراخي. وهكذا برزت الرقابة الشعبية كجواب بوصفها أحد المدخلين اللذين طرحهما الحزب الشيوعي الصيني لمعالجة هذا التحدي التاريخي.
وبعد عقود، قدّم الرئيس الصيني شي جين بينغ المدخل الثاني، المتمثل في مفهوم «الثورة الذاتية»، الذي يقوم على الاعتراف بالمشكلات، وتصحيح الأخطاء، وضبط ممارسة السلطة، وتجديد أساليب العمل بصورة مستمرة ومواصلة تطوير الذات .وقد تجسّد هذا التوجه عملياً في زيارة شي جين بينغ لمحافظة فوبينغ بمقاطعة خبي، في 29 ديسمبر 2012. يومها، تناول عشاءً متواضعاً ضم أربعة أطباق وحساءً، وحرص على دفع تكلفته، ثم أقام في غرفة بسيطة لا تتجاوز مساحتها 16 متراً مربعاً. لكن اهتمامه الحقيقي لم يكن بتفاصيل الإقامة، بل بأحوال السكان، إذ زار منازل المزارعين، وتفقد مخزونهم من الحبوب، واستمع إلى مشكلاتهم ومصادر دخلهم، مؤكداً أهمية تحسين ظروف معيشتهم.ولم تكن تلك التفاصيل مجرد مشاهد عابرة، بل جاءت بعد إقرار «القواعد الثماني» لتحسين أساليب العمل وتعزيز الصلة بالشعب، والتي ركزت على ترشيد الإنفاق، وتقليص الإجراءات والاجتماعات، وتبسيط المراسم، وتعزيز حضور المسؤولين بين المواطنين. وقد عبّر الرئيس شي جين بينغ عن فلسفة هذا النهج بقوله: «علينا أن نتحمّل قدراً من المشقة وعدم الراحة، حتى ينعم أبناء الشعب بمزيد من الراحة والرضا».
ومع مرور السنوات، اتسع نطاق الثورة الذاتية ليشمل تعزيز الرقابة الداخلية، ومكافحة الفساد، ومحاسبة المقصرين، وتطوير آليات تقييد السلطة. ففي عام 2025 وحده ، جرى العمل على معالجة 3.716 ملايين قضية مرتبطة بمشكلات المواطنين، وإعادة أموال وممتلكات بقيمة 77.63 مليار يوان بصورة مباشرة أو عبر إجراءات المتابعة.
وفي هذا السياق، جاءت أعمال الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، المنعقدة في بكين خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر 2026، لتؤكد مواصلة النهج المتعلق بالرقابة الشعبية والثورة الذاتية، وتطوير منظومة الانضباط والحوكمة ومكافحة الفساد. وتكتسب جهود الثورة الذاتية أهمية للحزب الشيوعي الصيني وذلك لما يمثّله الحزب من القوة القيادية المحورية في مسيرة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ولأن بناءه الداخلي يرتبط ارتباطاً مباشراً بكفاءة الحوكمة الوطنية وجودة التنمية .فكل هدف من أهداف الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين ، تتضمن من الطموحات في الابتكار والتكنولوجيا والتحول الأخضر والانفتاح الاقتصادي. فنجاح الخطط التنموية لا يرتبط بالأهداف وحدها، بل يتطلب أيضاً مؤسسات منضبطة، وكوادر كفؤة، وآليات رقابية تضمن حسن توظيف الموارد وتنفيذ السياسات ومن شأن مواصلة الثورة الذاتية ان تساعد الخطط التنموية إلى إنجازات ملموسة تعود بالنفع على الشعب .
ولا تقف انعكاسات هذه التجربة عند حدود الصين، بل تمتد لتشمل العالم، ولتوفر فرص أوسع للتعاون مع المجتمع الدولي ، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعدها الصين صديقاً وشريكاً وثيقاً ، فيما يتواصل تعميق التعاون في مجالات متعددة بين البلدين. فتعزيز كفاءة الحوكمة والاستقرار المؤسسي يهيئ بيئة أكثر وضوحاً للتعاون والاستثمار،ولتظل التنمية في نهاية المطاف وسيلة لتحسين حياة الإنسان وصون تطلعاته ويفتح آفاقاً أوسع لتحقيق مزيداً من المنافع الملموسة للشركات البلدين وشعبيهما ، ويعزز آفاق التعاون والإزدهار المشترك بينهما.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة