اختار الكاتب صالح البحار أن يدخل عالم الرواية من بوابة الإنسان وهواجسه وتساؤلاته، في عمله الأول «أنين الناي»، الذي نال جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026 عن فئة «الرواية الأولى».
في هذا الحوار مع «الخليج»، يتحدث البحار عن علاقته بالشارقة، وكيف انتقلت «أنين الناي» من مسوداتها الأولى إلى صورتها النهائية، مستعيداً أثر العمل الإعلامي في تشكيل تجربته، كما يتوقف عند الشخصيات ورمزيتها.
في هذا الحوار مع «الخليج»، يتحدث البحار عن علاقته بالشارقة، وكيف انتقلت «أنين الناي» من مسوداتها الأولى إلى صورتها النهائية، مستعيداً أثر العمل الإعلامي في تشكيل تجربته، كما يتوقف عند الشخصيات ورمزيتها.
كيف تلقيت فوز روايتك «أنين الناي» بالجائزة ؟
لم أتوقع هذا الفوز بصراحة، وكان مفاجئاً بالنسبة لي. هذه روايتي الأولى، ولذلك يحمل التكريم شعوراً خاصاً، لكنه في الوقت نفسه يضع على عاتقي مسؤولية كبيرة. أرى أن الجائزة وسام أعتز به، وفي المقابل هي أمانة الكلمة، وتكليف بأن أواصل الكتابة بمستوى يليق بهذه الثقة. عندما يمنحك الآخرون تقديرهم، يصبح لزاماً عليك أن تكون أكثر وعياً بما تكتب، وأن تفكر في أثر الكلمة ومسؤوليتها، لا في مجرد إصدار كتاب جديد.
حكاية عمر
للجائزة خصوصية إضافية لأنها جاءت من الشارقة، المدينة التي نشأت فيها وعشت تفاصيلها. ماذا يعني لك هذا التكريم؟
الشارقة بالنسبة لي حكاية عمر، فقد نشأت على هذه الأرض، وفي أحيائها عشت طفولتي، فيها تعلمت حب القراءة، وأذكر رحلاتنا الأولى إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب، حين كان المعرض في بداياته أبسط مما نراه اليوم، لكنه كان بالنسبة إلينا عالماً كاملاً ننتقل إليه من عالمنا اليومي.
وأعتقد أن حب الكلمة والكتاب في الشارقة ارتبط بمشروع ثقافي طويل، أسهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في ترسيخه، لقد زرع هذا المشروع في الناس قيمة القراءة، ونحن اليوم نحصد شيئاً من تلك البذور التي غُرست منذ سنوات.
حين يكون الكاتب معروفاً بعمله الإعلامي، فإن نشره لرواية خطوة لافتة، فكيف أقدمت عليها وما الذي حفّزك؟
المسألة عندي ارتبطت بإحساس عميق بمسؤولية الكتابة، أنا أدرك وقع الكلمة، وأعرف أن الكاتب حين يضع أفكاره أمام القراء يصبح مسؤولاً عما يقوله، وعن الطريقة التي يقدم بها رؤيته للعالم، استغرق الأمر مني أكثر من ثلاثين عاماً في المجال الإعلامي والكتابي، قبل أن أتجرأ على إخراج ما أكتبه إلى النشر. كانت لدي دفاتر أدوّن فيها أفكاري منذ سنوات طويلة، ولا تزال موجودة حتى اليوم. كنت أكتب، لكنني لم أجد الفرصة المناسبة لنشر ما أكتبه.
ربما أسهم عملي في الإعلام، واحتكاكي اليومي باللغة والخبر، في ترسيخ حس الاختزال والدقة لدي، لذلك ظللت أتعامل مع الكتابة بحذر، إلى أن وجدت أن الوقت قد حان لإخراج هذا العمل إلى القراء.
ربما أسهم عملي في الإعلام، واحتكاكي اليومي باللغة والخبر، في ترسيخ حس الاختزال والدقة لدي، لذلك ظللت أتعامل مع الكتابة بحذر، إلى أن وجدت أن الوقت قد حان لإخراج هذا العمل إلى القراء.
تجربة
عنوان الرواية «أنين الناي» يحمل إيحاء وجدانياً، إلى أيّ مدى تحمل الرواية شيئاً من تجربة صالح البحار الشخصية؟
أتمنى أن يجد القارئ فيها الجانب الإنساني، لأنها تحمل الكثير من تجربتي ورؤيتي وخلفيتي، الثقافية والحياتية. أستطيع القول إن فيها جزءاً كبيراً من صالح البحار، وفي الوقت نفسه هناك مساحة واسعة من الخيال. وشخصية الرجل المسنّ الأعمى استلهمتها من الواقع، لكن حكايته مختلفة عن الحكاية التي قدمتها في الرواية، فأخذت منها ملامح أولية، ثم حاولت الدخول إلى عالم الشخصية، النفسي والإنساني، وأعدت تشكيلها وفق مقتضيات العمل الروائي.
شخصية الرجل الأعمى في الرواية تبدو محمّلة بدلالات تتجاوز حضورها الحكائي. ماذا أردت أن تقول من خلاله؟
هناك بالفعل إسقاطات ورموز في هذه الشخصية. أنا مهتم بفكرة العمى والبصيرة، وبالمفارقة بين الإنسان الذي يرى بعينيه، ولا يستطيع أن يدرك حقيقة ما حوله، وآخر لا يرى، لكنه يمتلك بصيرة تجعله أكثر قدرة على فهم الحياة.
هناك أشخاص يبصرون الأشياء بأعينهم، لكنهم لا يرون حقيقتها، وهناك من يفتقدون نعمة البصر، لكنهم يمتلكون انفتاحاً على الحياة، وعلى الآخرين. هذه العلاقة الإنسانية كانت من الأفكار التي أردت الاشتغال عليها، وقد كان العمى حالة رمزية شكلت مدخلاً للتفكير في البصيرة، وفي قدرة الإنسان على اكتشاف الحقيقة.
هناك أشخاص يبصرون الأشياء بأعينهم، لكنهم لا يرون حقيقتها، وهناك من يفتقدون نعمة البصر، لكنهم يمتلكون انفتاحاً على الحياة، وعلى الآخرين. هذه العلاقة الإنسانية كانت من الأفكار التي أردت الاشتغال عليها، وقد كان العمى حالة رمزية شكلت مدخلاً للتفكير في البصيرة، وفي قدرة الإنسان على اكتشاف الحقيقة.
تحضر البيئة الإماراتية بتفاصيلها في الرواية، من الفريج إلى البيوت والعلاقات الاجتماعية. ما أهمية المكان في تشكيل عالم «أنين الناي»؟
المكان جزء أساسي من الرواية، وقد استدعيت من خلاله صورة الشارقة القديمة، والفرجان التي كانت تتميز بعلاقاتها الاجتماعية المتماسكة. أمام كل بيت كانت هناك دكة، ومكان للجلوس، وناس يذهبون ويعودون، والجميع يعرف الجميع. أتذكر طفولتي جيداً، وكيف كانت العلاقة بين أهل «الفريج» تقوم على المشاركة والتواصل. وكانت هناك منظومة اجتماعية تحكم العلاقات، وتمنح الناس شعوراً بالانتماء، هذه التفاصيل أردت استعادتها في الرواية، لأنها تمثل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية التي تشكلت فيها شخصياتي. فالمكان بالنسبة إلى الكاتب هو الذاكرة التي تحمل العادات والعلاقات والتفاصيل الصغيرة التي تمنح العمل صدقه الإنساني.
معايير
تشهد الساحة العربية إصدارات روائية كثيرة، لكن هذا الكم يثير أحياناً أسئلة حول مستوى الأعمال وحضور النقد. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟
أنا لست ضد أن يكتب أي إنسان، فلكل شخص تجربته، وقلمه، وطريقته في التعبير، لكن الكتابة مثل أي عمل آخر لها أسس ومعايير. عندما أذهب لشراء شيء، تكون لديّ معايير أستند إليها في الاختيار، فما بالك عندما يتعلق الأمر بشراء غذاء للعقل؟
أعتقد أن القارئ يحتاج إلى معايير تساعده في الاختيار، وأن النقد الأدبي يجب أن يؤدي دوره في قراءة الأعمال وتمييز تجاربها، وفتح النقاش حولها. كثرة الإصدارات وحدها لا تكفي لصناعة مشهد روائي ناضج، وأنا في الحقيقة ناقد لذاتي، وأراجع كل ما أكتبه، وأبحث عن المعلومة الصحيحة، حتى إنني قد أعيد النظر في الرواية كلها بسبب معلومة غير دقيقة.