لم ينتظر النازحون في قطاع غزة اشتداد الشتاء حتى يجدوا أنفسهم في مواجهة مأساة جديدة، فمع أولى موجات المنخفض الجوي، تحولت خيامهم المهترئة إلى برك من المياه والوحل، بعدما أغرقت الأمطار الغزيرة آلاف أماكن الإيواء في مناطق متفرقة من القطاع، وسط رياح شديدة وانخفاض درجات الحرارة، لتتضاعف معاناة عائلات أنهكتها الحرب وفقدت منازلها ومصادر الأمان.
الأمطار تغمر آلاف الخيام
ومنذ مساء الجمعة، يتأثر قطاع غزة بمنخفض جوي مصحوب بكتلة هوائية باردة وأمطار غزيرة ورياح شديدة، أدت إلى غرق آلاف خيام النازحين في مناطق شمالي القطاع ووسطه وجنوبه.
وأفادت مصادر محلية بأن مياه الأمطار غمرت خياماً في محيط ميناء مدينة غزة، ومناطق جباليا وبيت لاهيا شمالاً، وغربي دير البلح وشمالي مخيم النصيرات وسط القطاع، إضافة إلى مدينة خان يونس جنوباً.
وتسببت المياه في إتلاف الفرش والأغطية والملابس ومقتنيات العائلات، فيما اضطر نازحون إلى استخدام الدلاء والأدوات البسيطة لمحاولة إخراج المياه من خيامهم، دون أن تتوافر لديهم أماكن بديلة تحميهم من البرد والأمطار.
انهيارات وإصابات
ولم تقتصر تداعيات المنخفض على المخيمات، إذ أُصيب أربعة فلسطينيين جراء انهيار جدارين لمبنيين سبق أن تضررا من القصف الإسرائيلي، أحدهما شمالي القطاع والآخر في وسطه.
وفي مخيم النصيرات، تدخلت طواقم الدفاع المدني لإجلاء سكان مبنى سكني انهار جزء منه بفعل الرياح الشديدة، دون تسجيل إصابات في الحادثة.
مبانٍ آيلة للسقوط
وحذر مدير جهاز الدفاع المدني في محافظة غزة، رائد الدهشان، من تفاقم المخاطر مع استمرار الأمطار، مشيراً إلى تلقي عشرات نداءات الاستغاثة من عائلات غمرت المياه خيامها ومنازلها.
وكشف أن نحو ألفي مبنى في القطاع مهددة بالانهيار، بينها نحو 700 مبنى في مدينة غزة وحدها، فيما يعيش قرابة 20 ألف فلسطيني داخل مبانٍ ووحدات سكنية آيلة للسقوط، في ظل غياب البدائل السكنية ونقص معدات الإنقاذ.
وتشير تقديرات الدفاع المدني إلى أن نحو 200 ألف خيمة أصبحت متهالكة وغير قادرة على توفير الحماية اللازمة من الأمطار والرياح والبرد.
برد وسط نقص مستلزمات الإيواء
وتتفاقم الأزمة مع استمرار نقص مستلزمات الإيواء ووسائل التدفئة، إذ يحتاج أكثر من 1.7 مليون فلسطيني إلى مساعدات إغاثية، بينما تنتظر أكثر من 8 آلاف حزمة إيواء السماح بدخول القطاع، ولا يغطي المتاح سوى نحو 17% من الاحتياجات.
وتحذر الجهات المحلية من أن استمرار المنخفضات الجوية سيزيد مخاطر الفيضانات وانهيار المباني المتضررة، خصوصاً مع تدهور شبكات تصريف المياه ونقص المعدات اللازمة للتعامل مع تداعيات الأحوال الجوية.
مقتل طفل في خان يونس
وتأتي هذه المأساة الجوية بينما تتواصل الحوادث الأمنية وسقوط الضحايا في القطاع، إذ استشهد الطفل محمد نضال بربخ، البالغ 15 عاماً، الجمعة، برصاص القوات الإسرائيلية في منطقة بئر 19 بمواصي خان يونس، وفق مصادر طبية فلسطينية.
وبحسب آخر إحصائية منشورة لوزارة الصحة في غزة، بتاريخ 5 نوفمبر، ارتفع عدد القتلى منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025 إلى 1602، والمصابين إلى 5799، فيما بلغ عدد الجثامين التي جرى انتشالها 847.
وهكذا، يجد النازحون أنفسهم أمام مواجهة مزدوجة، فلا الحرب توقفت آثارها، ولا الخيام باتت قادرة على حمايتهم من قسوة الشتاء، فيما تتحول الأمطار التي يفترض أن تكون بشارة خير إلى مصدر جديد للخوف والمعاناة.