خصص منتدى أصيلة الثقافي ضمن فعالياته الفكرية والأدبية ندوة أدبية احتفائية بالروائي السوداني الراحل الطيب صالح، وأكد المتدخلون في الندوة التي انعقدت مؤخراً في أصيلة أن صاحب موسم الهجرة الى الشمال، يعتبر قامة روائية عربية، مهدت لمرحلة جديدة في السرد الروائي، وفاتحة أعين الأجيال الجديدة من الكتاب والمبدعين، على أن عالمية الأدب تصنعها الخصوصيات المحلية، والانتباه إلى ما يشكل الهوية، بعيدا عن الاستلاب بالمدينة الغربية، وذاك ما فعله صالح حين قدم الثقافة السودانية التي كان لا يعرف عنها العالم العربي شيئا، بله العالم الغربي، واستطاع أن يخلق من المكان السوداني أرضية لعمل أدبي كبير.
واعتبر محمد بن عيسى، أمين عام منتدى أصيلة، في تدشينه لحديقة تحمل اسم الطيب صالح، أن علاقته بصاحب موسم الهجرة إلى الشمال، تطورت إلى أن أصبحت علاقة روحية، وأن دروب أصيلة تعرفه جيدا منذ سنة 1979 تاريخ تنظيم أول دورة من مهرجان المدينة الثقافي.
ومنذ ذلك الحين، يقول بن عيسى، توطدت العلاقات الثقافية والإنسانية بين الطيب صالح والوسط الثقافي المغربي وبالأخص علاقته المتينة بالكاتب المغربي محمد شكري، الذي اعترف في أكثر من مناسبة بأثر رواية موسم الهجرة إلى الشمال عليه، وما أفاد منها في تعامله مع المكان المغربي.
وأشار بن عيسى إلى أن الطيب صالح، الذي كان يتمتع بعلاقات ثقافية واسعة مع مثقفي العالم، كان يتمتع بشجاعة أدبية عالية، مكنته من التعامل مع الموروث الثقافي السوداني بكثير من الرشاقة ومن القوة ومن المعرفة الدقيقة، كما أن شخصياته، تميزت باستنباط عميق لمكنوناتها، وما يختلج في أعماقها من ترددات ومن طبقات وعي عميقة.
واعتبر الناقد والروائي المغربي محمد عز الدين التازي أن شخصية مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، عبّرت عن شكل من أشكال الانتقام من الغرب عن طريق الانتقام العاطفي في صيغته الجنسية، لكن هذا الانتقام هو في حقيقته تحرير للرجل الشرقي نفسه من أوهام وترسبات الماضي، ومن علاقته المتوترة بالمحرم.
وأكد التازي أن هذه الرواية التي أشبعت نقدا وتحليلا، وأنجزت حولها آلاف الدراسات والبحوث الأكاديمية في مختلف الجامعات العربية والغربية، وترجمت إلى كل اللغات الحية، لا يزال لها ذلك التأثير الكبير الجالب للمتعة، وبالتالي فإنها أكثر الكتب الأدبية قراءة في الوطن العربي.
من جهة أخرى، اعتبر حسن البشير الطيب، رئيس مركز الطيب صالح في الخرطوم، أن صالح يشبه الى حد كبير أبا الطيب المتنبي، وبينهما أكثر من قاسم مشترك، كما أن حب صالح للمتنبي لم يكن يقدر بحب أي شاعر عربي آخر، ويتجلى ذلك بوضوح في حفظه عن ظهر قلب لعديد كبير من قصائد المتنبي.
وتوقف الكاتب والناقد المغربي محمد برادة عند سؤال: ماذا سيبقى من الطيب صالح؟ وهو السؤال المفتاح الذي قاده الى الوقوف عند الابتكار الأسلوبي في تجربة كاتب سوداني عربي، خلق قطيعة في الرواية العربية بين الأساليب الكلاسيكية والأشكال السردية التي حملتها الرواية الجديدة.
وقال برادة إن صالح عمق المسالك السردية، التي أفرزتها الثقافة الشعبية السودانية، وطوعها في الرواية، رابطا الحاضر بالماضي ضمن شمولية التيمات، في خطوط سرد يقودها ببراعة السادر مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال.
كما استثمر الطيب صالح للمرة الأولى في الرواية العربية، تقنية المونتاج والتقطيع السينمائي للمشاهد والأحداث.
ورأى برادة أن هذه الرواية تعتبر مرحلة جديدة في الإبداع العربي، يمكن تسميتها بصوت ما بعد الكولونيالية، وانتهى إلى أنها رواية شاملة، تنطلق من تجارب وتفاصيل المعيش، واستطاعت أن توصل الرواية العربية على مستوى جديد يقتحم الأسئلة المحرمة.
وعبّر الروائي المصري يوسف زيدان، صاحب رواية عزازيل الفائزة بجائزة البوكر العربية، عن قناعته بأن ظهور الطيب صالح كان في وقته تماما، وان بزوغ نجمه ككاتب رواية عربي جاء في الوقت الذي كان فيه العرب أحوج ما يكونون إلى أن يسمعوا بعضهم بعضاً، في ظل هيمنة المد الثوري العربي، وقال إنه من غريب الصدف أن رجاء النقاش، هو الذي أسهم في ظهور الطيب صالح، وهو من أسهم أيضا في بروز اسم شعري كبير هو محمود درويش.
وانتهى إلى أن القارئ العربي، كان يريد ان يعرف أي شيء عن السودان، وأن الطيب صالح بفراسته الأدبية التقط هذا التطلع وبلوره في سلسلة روايات من بينها موسم الهجرة إلى الشمال ودومة ود حامد وعرس الزين.
وقال الكاتب والروائي المغربي مبارك ربيع يطالع محيا الطيب صالح فيطالع البشر منه والترحاب منه والتقبل وحسن الإنصات، يطالع معه بالغ استجابة متأنية تتقرى الملامح، تعي ما تسمع مستقرئة متابعة، تلتقط دقة التفاصيل في التقاسيم والإشارة وما وراء العبارة.
تبثه الشكوى، تشاركه النجوى، فلا يريم عن سواء حاله في كل حال، ويأتيك بعد لأي صدق رأي وجواب... شف يا أخي... ولك التشواف مع الطيب صالح: تجوب آفاق دراية وعرفان في غير تعدد ولا اعتداد، وإذا السؤال والقضية كلها بحدودها وخاصياتها الآنية، تضرب بعيداً في جذر قضايا عالمية كونية، بقدر ما هي محلية وطنية أو قومية. وقال لم يكن الطيب صالح في ما كتب مجرد ملتزم بقضية وواجب، بل كتب مبشراً بما عرفت وتجاوزته البشرية من فضائل ومبادئ، أو عرفته ويجب أن تتجاوزه من مباذل الكراهية والنزاعات والحروب وموسم الهجرة إلى الشمال تلك الرائعة التي تلتحم بذكره على الدوام، وتكاد تغطي على ما عداها، ليست مجرد سريدة اغتراب ذاتية أو موضوعية، مهما كان مبلغ (ما تضرب به من سهم في هذا المضمار ) وإنما هي تجسير وتبشير، عبر آلية فنية جمالية لكل ما هو توافق وتعالق بين الذات والغير، بين الأنا والآخر.
وهج
اعتبر الناقد والروائي المغربي محمد عز الدين التازي أن شخصية مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، عبّرت عن شكل من أشكال الانتقام من الغرب عن طريق الانتقام العاطفي في صيغته الجنسية، لكن هذا الانتقام هو في حقيقته تحرير للرجل الشرقي نفسه من أوهام وترسبات الماضي، ومن علاقته المتوترة بالمحرم.
وأكد التازي أن هذه الرواية التي أشبعت نقدا وتحليلا، وأنجزت حولها آلاف الدراسات والبحوث الأكاديمية في مختلف الجامعات العربية والغربية، وترجمت إلى كل اللغات الحية، لا يزال لها ذلك التأثير الكبير الجالب للمتعة، وبالتالي فإنها أكثر الكتب الأدبية قراءة في الوطن العربي.