مها عادل

قد يبدو تعريب المصطلح الإنجليزي «Underground music» موسيقى تحت الأرض غريباً بعض الشيء، ولكن هذا اللون اكتسبه الغرب منذ الستينات بسبب انتشاره في أوساط الشباب بعيداً عن القنوات التقليدية لتقديم الفنون، وارتباطه بالتحركات الشبابية لمواجهة السلطة التجارية المتحكمة في منافذ الموسيقى كالمنتجين وأصحاب المسارح والمؤسسات الفنية والأكاديمية التي رأت تيارات من الشباب في الستينات أنها يجب ألا تنفرد بالتحكم في تشكيل ذوق الناس، وأن تفسح المجال لتيارات شبابية جديدة تصارع من أجل الظهور، ولذلك كان العازفون المنفردون الذين يعزفون ألحانهم للناس في محطات المترو والفرق التي يشكلها المراهقون في «الجراجات» وتقدم فنونها في الحدائق والأماكن العامة وأي فضاء مفتوح هي التي شكلت التيار الجديد لهذا الفن المتمرد الذي لا ينتمي بالضرورة للون معين من الموسيقى ولكنه يتشابه دائما في التعبير عن قيم الحرية.
وربما اكتسب هذا اللون الموسيقي أحيانا سمعة سيئة في الغرب لارتباطه بعالم «الهيبيين» المعترضين على القيود الاجتماعية بشكل سلبي والذين ينخرطون في ممارسات غير أخلاقية أحيانا ترتبط بالعنف أو المخدرات.
ولكن العقدين الأخيرين شهدا تطوراً كبيراً في مفهوم موسيقى الأندرجراوند، بعد أن أتاحت شبكة الإنترنت للجميع القدرة على الوصول للجماهير بطيفها الواسع، وبالتالي أصبحت المؤسسات التقليدية أكثر لينا ومرونة في اجتذاب الموسيقى الشبابية بينما أصلحت كثير من التيارات الموسيقية الصاعدة من «تحت الأرض» من عيوبها وأصبحت تجتذب شبابا أكثر واكتسبت وعيا ودراسة وقدرة على تقديم موسيقى مختلفة ولكنها في كثير من الأحيان أكثر أصبحت أكثر انضباطا وأقل تصادما مع الذوق السائد وأقرب لمعالجة قضايا الشباب والتعبير عن روحهم وأفكارهم ومفرداتهم أيضا، وهذا ما جعل المسارح التقليدية وحتى دور الأوبرا تخصص لهذه الفرق مساحات من الظهور على خشباتها، وأصبحت هذه الفرق تحقق نجاحا وجماهيرية وتحظى باحترام الكبار رغم اختلاف ما تقدمه كلياً عن ذوقهم الموسيقي ولكنهم يقدرون أن هذه النوعية من الموسيقى والغناء تعبر عن مفردات أبنائهم وأحلامهم في إطار مقبول من الاختلاف. ومن حسن حظنا في عالمنا العربي أن قصة موسيقى الأندرجراوند عندنا جاءت عبر مسارات مختلفة تماماً، فلم تنشأ على أيدي شباب ساخط على المجتمع في تيارات «الهيبي» الغربية وإنما نشأت عبر شباب متعلم من طبقة اجتماعية عليا احترم التراث الموسيقي السابق وأضاف بصماته عليه، وهذا ما ميز هذا النمط الموسيقي في بلادنا ويدفعني لأن أفضل أن أطلق عليه «موسيقى الشباب المستقلة» بدلاً من المصطلح الغربي «موسيقى الأندرجراوند» الذي لا ينطبق عليه.