سامي قرقاش

مضى على تخرجي في الثانوية العامة ٣٠ عاماً وفي الجامعة ٢٥ عاماً، ولم تكن تجربتي في التعليم المدرسي تجربة أحب الحديث عنها مع أنني ولله الحمد لم أتذوق مرارة الرسوب، ولكن معدلي بالكاد أهلني لدخول الجامعة.
وكادت هذه التجربة المريرة تمنعني من إكمال دراستي الجامعية ظناً مني أنها ستتكرر في الجامعة وربما بصورة أسوأ، وقد أدركت بعد سنوات من تخرجي أن هذا التخوّف كان سبباً في عدم إكمال كثيرين من أقراني لدراستهم الجامعية.
وعلى العكس فتجربة دراستي في جامعة الإمارات كانت تجربة جميلة، والفرق في تصوري هو انخفاض عدد ساعات الدراسة اليومية، وتنوّع أساليب التعلم والتقويم في الجامعة بين محاضرات واختبارات وتجارب عملية ودراسات ميدانية وعرض مشاريع وعمل جماعي إلى غير ذلك، وعدم التركيز فقط على أسلوب التلقين ونظام (حشو المعلومات) دون فهم الغاية والأهمية من تدريسها كما حصل معنا في المدرسة.
وقد وصلني مقطع مصور يتحدث عن تطور التعليم وفلسفته في فنلندا، حيث أظهر المقطع في بدايته تدني مستوى التعليم في فنلندا مقارنة ببعض الدول، ثم يظهر ارتفاع مستوى التعليم حسب المعايير العالمية بعد قيام الحكومة بوضع استراتيجية لتطوير التعليم واتخاذ تدابير وإجراءات لتطوير العملية التعليمية.
والغريب في الأمر هو أن عدد ساعات الدراسة داخل الفصل الدراسي في فنلندا تعتبر الأقل بين دول العالم المتقدم.
وسأسرد بعضاً مما يميز النظام التعليمي في فنلندا، فعلى سبيل المثال؛ تعيين مدرسين متفوقين ومميزين وأصحاب كفاءة ومهارات عالية، أن يكون مدرسو المواد العلمية من حملة شهادة الماجستير في اختصاصهم، التركيز على روح الفريق والعمل الجماعي بين المدرسين والإداريين والطلبة، عدم حصر دور المدرس في إنهاء المنهج الدراسي داخل الفصل بل إبداع وابتكار طرق ووسائل للتعليم داخل وخارج الفصل بل وفي أي مكان، قضاء المدرسين مزيداً من الوقت في رفع مقترحاتهم لتطوير المناهج وطرق التدريس وحل مشاكل الطلبة والتواصل مع أولياء الأمر، والقائمة تطول
وباختصار فقد ركَّزت الاستراتيجية التي وضعتها فنلندا على جعل «التعليم سعادة» و«التعلم سعادة» و«الطلبة سعداء».
والحمد لله أن الدولة مشكورة أدركت ذلك، ووضعت السعادة نصب عينيها ومن أولوياتها، وعيَّنت وزيرة للسعادة، مهمتها ضمان أن تكون جميع العمليات والسياسات والإجراءات الحكومية تحقق السعادة لمواطني هذا الوطن المعطاء والمقيمين على أراضيه وفق معايير السعادة العالمية.
ولا شك أن من أهم التجارب التي تستحق أن تكون تجربة تجلب وتحقق السعادة (التعليم) سواء للمعلم أو الطالب أو ولي الأمر، وذلك لأهميتها وطولها النسبي وأثرها العميق المترسخ في النفس ودورها في بناء الشخصية وصقلها وإطلاق إبداعاتها وطاقاتها الكامنة.
إنني على يقين أن أبناءنا الطلبة سيكونون أوفر حظاً منا وتجربتهم التعليمية تجربة سعيدة، يحبون تذكرها والحديث عنها، وستظهر جلية عليهم في كل المواقع، في ظل دولة السعادة وحكومة السعادة ووزارة السعادة.