إضافةً إلى السجال القائم بين من يكتبون شعراً موزوناً ومن يكتبون شعراً بلا وزن، هنالك سجالٌ حول قصيدة النثر، بين كتّابها أنفسهم، أي فيما بينهم. والسجالان باتا ترداداً لمقولات ٍ لا تطرحُ أسئلةً جوهريةً على الكتابة الشعرية.

في السجال الثاني، يحاولُ بعض كتّاب قصيدة النثر إعطاءَها مواصفات ٍواضحةً أو محدَّدة ، ويفضِّلُ بعضُهم الآخَر أنْ تظلَّ مفتوحةً، غيرَ مقيَّدة ٍ بأي نوع ٍمن أنواع المواصفات أو التحديدات. وتتباينُ آراؤهم في ما يتعلّق بمرجعية قصيدة النثر، فيختلفون في تفسير ما يقتبسونه من تنظيرات ٍغربية لهذه القصيدة، خصوصاً في الشعر الفرنسي ابتداءً من بودلير، الذي عدَّتْه سوزان برنار في كتابها الشهير رائداً أو مدشِّناً لقصيدة النثر.
ومن كتّاب قصيدة النثر من سعى إلى البحث عن مرجعية ٍ لها في تراثنا العربي ما فتح النقاش واسعاً حول العلاقة بين الشعر والنثر، وهي العلاقة التي اهتمّ بها أسلافنا من الشعراء والنقّاد والفلاسفة العرب، وقدّموا بشأنها آراءً تَظهر السجالاتُ الحديثةُ حيالَها كالمجادلات العقيمة، ومن أبرز هذه الآراء أنّ الوزن ليس فارقاً حاسماً بين الشعر النثر، وقد ذهب أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» إلى القول «أحسنُ الكلام ما قامت صورتُهُ بين نظْم كأنه نثر، ونثر كأنه نظْم».
لقد غرق المتساجلون اليومَ في فوضى المصطلحات والتباساتها. فهل قصيدةُ النثر قصيدةٌ أوّلاً؟، هل هي شعرٌ منثور؟، هل هي شعرٌ بالنثر، في ترجمة ٍللعبارة الفرنسية Poeme en prose؟، وإذا كانت قصيدة النثر تحريراً للكتابة الشعرية من القيود على أنواعها، فلماذا السعيُ من قِبَل كتّابها إلى التعريف أو التحديد أو ضبْط المصطلح أو إيجاد المرجعية ؟ وهنالك كتّابٌ بذلوا جهوداً واضحةً في هذا المجال، منها على سبيل المثال ما بذله عبدالقادر الجنابي في الأنطولوجيا التي أعدّها مؤخراً ، وتضمُّ قصائد نثر (بحسب تحديدات الجنابي) لأكثر من مئة شاعر، من بينهم بعض الشعراء العرب، وفي مقدمته لهذه الأنطولوجيا يحدِّد الجنابي مقومات قصيدة النثر، أي يحدِّد ما يراهُ ضرورياً في أي نص نثري لكي يُعد قصيدة نثر.

ألا يمكننا القول إنّ الجدال حول قصيدة النثر لا يختلف كثيراً عن الجدال بين دعاة الوزن في الشعر ودعاة التخلي عنه ؟، بل لا يختلف كثيراً عن الجدال حول العلاقة بين الشعر والنثر بوجه ٍعام، هذه الجدالات متشابهةٌ في إعطائها الكتابةَ الشعريةَ بعداً تنظيرياً، قد يكون منافياً لطبيعتها المجافية أو السابقة لكل تنظير.

الوزن ليس فارقاً حاسماً بين الشعر والنثر . والشعر، كما يقول بعض المنظّرين الغربيين، ليس نثراً يُضافُ إليه وزن، وإنما هو نقيضُ النثر. لماذا لا نقول إذاً، تصدياً لكلِّ المشكلات أو الالتباسات التي أتيْنا على ذكْرها، إنّ الشعر والنثر لهما طبيعتان متناقضتان أو متباينتان، ولكنْ، يمكن للشعر أن يحتضن النثر، كما يمكن للنثر أن يحتضن الشعر. أليس هذا تقريباً ما عناهُ أبو حيان التوحيدي في كلمته التي أوردْناها؟.

وقد نقولُ أيضاً إن الكتابة الشعرية لا تعرفُ حواجزَ بين الشعر والنثر، بل يمكنُ للنثر أنْ يُكتبَ بطبيعة ٍشعرية، كما يمكن للشعر أنْ يُكتبَ بطبيعة ٍ نثرية (ولو كان موزوناً). وفي هاتين الحالتيْن، يكون التناقضُ بين الطبيعتين الشعرية والنثرية سبباً لوحدة ٍفنية، يتحقَّقُ خلالها ما قال عنه التوحيدي إنه أحسنُ الكلام.

الكتابة الشعرية الموزونة والكتابة الشعرية غير الموزونة هما خياران مختلفان، ولكنهما معاً يحتفيان باللقاء الخلاق بين طبيعتيْن متناقضتيْن للشعر والنثر.

جودت فخرالدين

[email protected]