هل يُقْبِلُ على القراءة من لا يُحْسِنُ القراءة؟ وإذا كانت اللغةُ العربيةُ اليومَ ضعيفةً في الاستعمال، أي لدى الناطقين بها، فمن أين يأتي القرّاءُ في هذه اللغة ؟! هل نتصوَّرُ مثلاً أنّ مستويات استعمال اللغة العربية باتت متدنِّيةً جدّاً
في مؤسسات التعليم وفي مؤسسات الإعلام، أي حيث ينبغي لها أن تكون قويةً؟! كما أنّها في معظم المؤلفات، وحتى الأدبية منها، ليست في أحوال ٍ جيِّدة ٍأو مقبولة. فلماذا نستغربُ إذاً تناقصَ القرّاء عندنا إلى ما يقاربُ الانقراض؟ (أشارتْ الصحفُ إلى تَقَصّ ٍأُجْرِيَ مؤخّراً أظهرَ أنّ الفردَ في أوروبا يقرأ بمعدَّل مئتيْ ساعة في السنة، بينما يقرأ الفردُ في العالم العربيّ بمعدَّل ستّ دقائق في السنة!).
كيف نعمل على تحسين القراءة عندنا إذا لم نعملْ على تعزيز اللغة العربية في الاستعمال، أي لدى الناطقين بها، لكي يكون عندهم إقبالٌ عليها، بدلاً من إعْراضهم عنها. ومثلُ هذا يحتاجُ إلى خطّة ٍتربوية ٍتعليمية ٍنحن في أمسِّ الحاجة إليها.
تعليمُ اللغة العربية في مدارسنا، وخصوصاً في المراحل الابتدائية، يحتاج إلى تطوير ٍجذريّ، وذلك بوضْع المناهج والبرامج المناسبة والعصْرية، وإعداد الأجهزة التعليمية من أصحاب الكفاءات، وإعداد الوسائل الجيِّدة من كُتُب ٍ وغيرها. وهذا كلُّهُ يتطلَّبُ سياسات تربويةً رشيدةً وإمكانات ماديةً كبيرة، ينبغي أنْ تضطلعَ بها مؤسساتٌ عامة، كوزارات الثقافة أو وزارات التربية والتعليم.
دون هذا الذي ندْعو إليه، نحن نشهد اليومَ تراجعاً كبيراً في الإقبال على اللغة العربية، لأن التلامذة عندنا ينشؤون على النفور منها. وقد يُقْبِلون بدلاً منها على غيرها من اللغات. وذلك تبعاً لنوعيّات المدارس الابتدائية وطرائق التعليم فيها هنا أو هنالك في بلداننا العربية. وما يصحُّ على المراحل الابتدائية لا بدَّ له من الانعكاس على المراحل اللاحقة، المتوسطة والثانوية والجامعية.
في هذا الإطار من المشكلات المتعلِّقة بالقراءة واللغة، يمكنُ إدْراجُ المشكلات المتعلِّقة بالكتاب العربي وتسويقه. لأنّ سياسات النشر والطباعة والتوزيع من شأنها أنْ تتأثّرَ بسياسات التربية والتعليم.
يُعاني الكتابُ العربيّ من أزمة ٍمزدوجة: أوّلاً في إنتاجه، وثانياً في نشْره. في الناحية الأولى تسودُ الفوضى الناجمةُ عن الاستسهال أو الخِفّة في التأليف. وفي الناحية الثانية تسود الفوضى الناجمةُ عن تغليب المعايير التجارية على المعايير الفنية لدى أغلب الناشرين في القطاعيْن العام والخاص.إذاً، أزمة الكتاب العربيّ هي في نوعيته أكثر مما هي في كمّية الإصدارات. بل ربّما كان الإكثار من الكمّيّات، في أحيان ٍكثيرة، تعبيراً عن انكماش ٍفي النوعيّات.
ومن بين أنواع الكتب، تُعاني كتب الأدب من مصاعبَ إضافية ٍ في توجُّهها إلى الجمهور، وخصوصاً كتب الشعر التي بات الناشرون يتذمّرون منها، أو يعدّونها عبئاً عليهم إذا أصدروها. والحقيقة أنّ الناشرين يتحمّلون مسؤوليةً كبرى عن الفوضى في نشْر الشعر، لأنهم لا يُعْطون وزْناً إلا لحساباتهم التجارية التي تتجاهلُ كلَّ المقاييس الفنية. وهنا، تبرزُ من جديد ٍالحاجةُ إلى سياسات رشيدة في البحث عن الكتاب الجيّد، لكي يكون العملُ على تعزيز القراءة تركيزاً على النوعية، وليس على الكمّيّة وحْدَها.
وبعد هذا كلِّه، نعودُ إلى القول إنّ القضية اللغوية ينبغي أنْ تكون المنْطَلَقَ لكلّ خطّة ترغبُ في التصدّي لمشكلات القراءة والكتاب في الوطن العربي.
جودت فخر الدين