عمرو موسى، اسم عريق في تاريخ الدبلوماسية المصرية والعربية، حياته المهنية الحافلة والمناصب الرفيعة التي تقلدها سواء في العشرية التي شغل فيها منصب وزير الخارجية المصرية (1991- 2001)، أو في العقد الذي قضاه أميناً عاماً للجامعة العربية (2001- 2011)، بخلاف سنوات عمله في الوفد المصري بالأمم المتحدة في ستينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، جعلته منجماً لأسرار وكواليس الكثير من الأحداث الكبرى التي عاشها العالم العربي من محيطه إلى خليجه في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى يومنا الحاضر؛ فخلال الفترة التي أعقبت تقاعده عن العمل الرسمي انخرط في شؤون مصر الداخلية، ولم تنقطع صلته بما يدور في المطابخ السياسية العربية والعالمية.
الخبر السار أن موسى قرر منذ الربع الأخير من سنة 2015 أن يكتب مذكراته التي اختار لها عنوان «كِتَابِيَهْ»، الذي استمده من الآية القرآنية الكريمة «فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ (الحاقة - 19)؛ ليخط فيها شهادته على الأحداث التي عاصرها من المواقع المختلفة التي شغلها طيلة حياته المهنية، كاشفاً الكثير من الأسرار التي ستحظى باهتمام المواطن المصري والعربي في كل مكان. تأتي مذكرات موسى - كما يقول في مقدمة الجزء الأول -»في ثلاثة أجزاء منفصلة وإن متتابعة مترابطة، يسرد الجزء الأول منها نشأتي حتى أصبحت وزيراً للخارجية وينتهى بخروجي من الوزارة، ويتعامل الجزء الثاني من المذكرات مع السنوات العشر التي قضيتها على رأس الجامعة العربية. فيما يتعلق الجزء الثالث بما بعد ذلك، أي من 25 يناير 2011 وحتى إقرار الدستور في عام 2014 وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر».

تواصل «الخليج» نشر حلقات من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى، الذي يغطي الفترة من ميلاده سنة 1936 إلى نهاية عمله وزيراً للخارجية المصرية عام 2001.
في هذه الحلقة من الكتاب يكشف موسى عن تفاصيل علاقته بالعالم العربي وقادته خلال الحقبة التي تولى فيها وزارة الخارجية (1991 2001)، إضافة إلى الدور الذي تلعبه قطر من خلال تشكيل «لوبيات نفوذ» لها في الخارج باستثمارات ضخمة، ورغبتها الجامحة في تسليم الحكم ل «الإسلام السياسي».
ونشدد على أن ما يرد في هذه المذكرات، وإن جاء على لسان عمرو موسى بصيغة المتكلم، إلا أنه في الحقيقة اختزال شديد جداً للنص الأصلي بتفاصيله الكثيرة والجديدة والمشوقة في آن واحد.
طبيعي أن يكون أكثر ما يسيطر على تفكيري فور تعييني وزيراً للخارجية في 20 مايو 1991، هو إعادة مصر لمكانها الطبيعي في قلب العالم العربي، وهو مكان لا يستطيع أحد أن يملأه غيرها. كانت سنوات تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية (1979 1989) بسبب توقيع اتفاقية السلام مع «إسرائيل» تلقي بظلالها على طبيعة الحضور المصري في العمل العربي المشترك، وآثاره الإقليمية خلال تلك الفترة؛ فبرغم عودة الجامعة إلى القاهرة، وانتهاء مقاطعة مصر، كنت أشعر بأن عودتها لم تكتمل بعد، وأنه ينقصها اتخاذ موقف قوي يجتمع العرب حوله، وخطة يجري تنفيذها باسمهم. رأيت أن دعم ومساندة الحقوق الفلسطينية خلال هذه الفترة لم يكن على المستوى المطلوب من الجميع؛ وأنه يجب إحداث حركة في هذا الملف قبل سواه.
من أولى المناسبات التي رأيت أنه يتحتم عليّ استغلالها في إحداث مزيد من الدفء للعلاقات المصرية العربية، مناسبة انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، الذي بدأ أعماله في 30 أكتوبر1991. قررت أن أجعل من كلمة مصر أمام هذا المؤتمر الكبير مناسبة لإعطاء الإشارة للقاصي والداني، أن مصر عادت للعب دورها القيادي في العالم العربي، وفي الشرق الأوسط على اتساعه.
كان لمخاطبتي للمؤتمر بعبارة «نحن العرب» وقع إيجابي في العالم العربي كله، فها هي مصر (الشقيقة الكبرى) عادت للتحدث باسم العرب، لا باسمها فقط، كما جرت العادة منذ توقيع اتفاقية السلام مع «إسرائيل»، وهو ما أغضب «الإسرائيليين» والأمريكيين؛ ذلك أنهم فهموا عبارة «نحن العرب» رسالة مختلفة من مصر. وعلقت إحدى الصحفيات الأمريكيات على هذه العبارة بقولها «تاني!!»، في إشارة إلى عودة مصر الرسمية للحديث باسم العالم العربي كما كان الأمر في الحقبة السابقة على توقيع اتفاقية السلام مع ««إسرائيل»». الواقع أنه كان لهذه العبارة مفعولها الأكيد في جعل العالم العربي يشعر بأن خطاباً مصرياً مختلفاً قد جاء مع وزير الخارجية المصري الجديد.
هرطقات القذافي
فور تعييني وزيراً للخارجية، سرى همس قاده الرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، مؤداه أن عمرو موسى القادم من نيويورك لترؤس الدبلوماسية المصرية ما هو «إلا مبعوث أمريكاني لمصر»، معتقداً ربما أن نيويورك هي عاصمة الولايات المتحدة لا مقر للأمم المتحدة التي كنت أمثّل بلادي فيها! كان هذا الكلام مفاجئاً لي، ولكل من يعرفني من الدبلوماسيين العرب.
بعد تعييني بفترة قصيرة جاء القذافي في زيارة إلى القاهرة. نصب خيمته الشهيرة في قصر القبة الرئاسي، ولأنه كان يتشكك في شخصي وفي نواياي أرسل هدايا تذكارية (ساعة يد) لكبار المسؤولين المصريين، أعضاء الوفد الرسمي الذي خاض مباحثات مع الوفد المرافق له إلا وزير الخارجية. كان قد وصلني ما يردده بشأني، لكنني لم أحاول أن أنفيه إطلاقاً. تجاهلت الأمر تماماً عندما التقيته في مصر ومن قبل ومن بعد عندما التقيته في طرابلس أو في غيرها، ربما عكس ما توقعه هو أو أراده.
لقائي الأول بالقذافي كان غاية في الطرافة، جاء الدور على ليبيا في سلسلة الزيارات الخارجية التي قمت بها فور تعييني وزيراً للخارجية. توجهت إلى طرابلس. أوصلوني إلى خيمته. جلست أمامه، لكنني فوجئت به ينظر إلى السماء، ويتجنب النظر إليّ؛ لأنني كنت وقتها في نظره «أمريكانياً» أو ربما عميلاً. بالطبع مثل هذه الحركات لم يكن وارداً أن آخذها بجدية أو أن اهتم بما تعنيه. كان قراري ألا أفتح معه موضوع اتهاماته لي. رأيت أنه لا يجب ولا يليق أبداً أن أضع نفسي في موضع الدفاع أو موضع التبرير.
ظل القذافي طوال الجلسة ينظر يميناً ويساراً إلى السماء. ينطق بكلمتين ثم يسكت. كان من السهل جداً علي أن أجذب انتباهه. حدثته عن كتاب جديد كان صادراً للتو يتحدث عن البحر المتوسط وحلف شمال الأطلنطي (ناتو) والقوة الأوروبية، فاهتم جداً بمعرفة التفاصيل الموجودة في الكتاب، الذي لم يكن قد سمع بصدوره من قبل. أخيراً بدأ ينظر في اتجاهي. وقد داعبته بأن بدأت أتكلم وأنا أنظر إلى السقف، ولم أعرف إن كان قد فهم الرسالة أم لا. ولكن الأمور تحسنت منذئذٍ.
بعد أن ظهرت توجهاتي ومواقفي في الأطر العديدة للدبلوماسية العربية والدولية قال القذافي: «كنت متحفظاً إزاء عمرو موسى؛ لاعتقادي أنه أمريكاني، لكنني أدركت كم كنا مخطئين، لأن التجربة أثبتت أن موسى رجل وطني صميم». بعد حوالي سنة وجدته يرسل لي بدون مناسبة «ساعة» وكانت هي «ساعة اليد»، التي احتفظ بها ولم يهدها إليّ في زيارته للقاهرة، باعتبار أنه اكتشف أنني عربي لا «أمريكي»!
منذ بدايات عملي كوزير للخارجية المصرية وجهت عيني صوب الجنوب في اتجاه السودان، ذلك البلد الذي تربطه بمصر علاقات تاريخية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط الثقافية والاجتماعية، وبحكم أنه بوابة مصر إلى إفريقيا، وبحكم أننا شركاء في وادي النيل، ذلك النهر العظيم الذي يفرض دوماً على البلدين تنسيقاً على أعلى مستوى لتأمين مصالحهما من إيراداته المائية. كل هذه الأمور تجعل من السودان العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، فما يحدث في أي بقعة من بقاع السودان تكون له ارتداداته على مصر، وما يحدث في القاهرة يسمع صداه في كل مناطق السودان.
كانت العلاقات المصرية السودانية في أسوأ حالاتها وقت تعييني وزيراً للخارجية بعد الانقلاب الذي قاده الترابي/‏‏ البشير في 30 يونيو 1989، الذي أطاح الحكومة الديمقراطية المنتخبة، والتي كان يترأس مجلس وزرائها الصادق المهدي. لم ترحب مصر كثيراً بالنظام الجديد في السودان، خصوصاً بعد اتضاح طبيعته الدينية وارتباط قادته فكرياً ب «الإخوان المسلمين»، فضلاً عن أن نظام الترابي/‏‏ البشير راح يمارس شحناً إعلامياً غير مسبوق ضد مصر، باعتبارها عدواً خارجياً، يهدد مصالح السودان، ومن هنا راح ينفخ في شرارة «حلايب»، إلى أن وصل الأمر إلى التورط في محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا سنة 1995، التي سأروي شهادتي بشأنها كاملة في الفصل الخاص بالعلاقات المصرية الإفريقية.
والحقيقة أنه مع كل هذه العقبات التي كانت قائمة في موضوع العلاقات المصرية السودانية وطبيعة الحكم الديني للبشير، إلا أنني استطعت أن أحدث اختراقاً كبيراً على صعيد الانفتاح على السودان ومحاولة احتوائه، ساعد فيه الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، أحد الساسة السودانيين الذين لعبوا دوراً كبيراً في إحداث التقارب بين القاهرة والخرطوم، وإزاحة العقبات، والذي تولى وزارة الخارجية السودانية، وقت أن كنت وزيراً للخارجية المصرية، وحققنا معاً تقدماً كبيراً في العلاقات بين البلدين الجارين.
أحيانا المصادفة تلعب دوراً كبيراً في عالم السياسة. بعد أن أدليت بتصريحي الشهير في أعقاب تراشق إعلامي عنيف بين مصر والسودان بشأن حلايب قلت فيه: «حدود مصر تنتهي عند جوبا.. وحدود السودان تنتهي عند الإسكندرية»، كنت مسافراً بصحبة وفد دبلوماسي واقتصادي مصري إلى ألمانيا. علمنا أن الطائرة التي سنسافر عليها ستقلع من الخرطوم، ثم تتوقف في مصر وتواصل إلى ألمانيا. على الكرسي المجاور لي وجدت شخصاً نائماً ويغطي وجهه بالبطانية. بعد مضي حوالي الساعتين استيقظ الرجل ونظر إليّ وقال: الله.. عمرو موسى؟ أنا اسمي مصطفى عثمان إسماعيل من معاوني الرئيس عمر البشير.
ظللنا نتحدث عن مصر والسودان، ووجدته مقدراً لأهمية الانفتاح على مصر، ومن يومها وإلي الآن صارت بيني وبين هذا الرجل صداقة قوية. قلت له يومها: ما دمت قريباً من الرئيس البشير عليك أن تدفع في سياسة واضحة عنوانها التقارب بين السودان ومصر، وأنا أتعهد لك بنفس هذا العنوان من جانبنا. أنا أعلم أن الرئيس مبارك مهتم جداً بالعلاقات المصرية السودانية. علينا أن نضع العقبات على الهامش، نتحدث فيها ونناقشها، لكن لا بد من إحداث هذا التقارب.
لم يمض وقت طويل حتى ظهرت جهود إسماعيل فيما اتفقنا عليه. التقى هو أيضاً اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، فحدثت بالفعل تغييرات في بنية النظام السوداني، بإبعاد الدكتور حسن الترابي، المتشدد، مع وضع بعض اللمسات المدنية على حكم مرجعيته دينية في الأساس. وأنا هنا لا أقول إن مصطفى عثمان أو الخارجية المصرية كانا من ضمن العوامل التي أدت إلى إبعاد الترابي، ولكن أذكر أن هذا حدث والعلاقات المصرية السودانية في صعود، وفي ضوء تأكيد السودانيين على أن التقارب مع مصر لن يتم أبداً في ظل حكم يرأسه الترابي.
مصر وسوريا
علاقة مصر بسوريا فيها الكثير من الخصوصية، فأي حاكم مصري يفهم جيداً أبعاد الأمن القومي المصري، على الفور يمتد بصره إلى حيث موقع سوريا الاستراتيجي بالنسبة لمصر، هذه قاعدة ثابتة منذ الملك الفرعوني رمسيس الثاني، مروراً بمحمد علي وجمال عبدالناصر، الذي أقام وحدة سياسية مع سوريا سنة 1958، لم تستمر طويلاً لاعتبارات وأسباب ليس هذا مجال استعراضها.
المعطيات السابقة جعلتني شديد الحرص فور أن توليت منصبي كوزير للخارجية على الانفتاح على سوريا، خاصة أنني أعلم الحساسية المفرطة والشك الشديد، الذي يسيطر على الساسة في هذا البلد العربي الشقيق، خاصة من هم في قمة هرم السلطة، سواء في رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية.
كنت دوماً أقول لزملائي في وزارة الخارجية: إن سوريا جزء مهم وأساسي في السياسة الخارجية المصرية، ومن المهم أن نحافظ على علاقة تفاهم معها. علينا تسخير كل ما هو ممكن لتجنب الحساسيات السورية؛ لأن رغبة مصر أكيدة في ألا نفقد سوريا في السياسة العربية، وفي نفس الوقت يجب ألا نخضع لأيديولوجياتهم، بمعنى أنه يمكن أن نتقبل بعضاً من آرائهم، إنما عليهم أيضاً أن يتقبلوا بعضاً من آرائنا، وذلك لن يتأتى إلا بالحوار المستمر معهم.
فاروق الشرع كوزير خارجية لسوريا وقت أن كنت وزيراً للخارجية، كان رجلاً مثقفاً ومهذباً وهادئاً. كان وزير خارجية محترماً لا شك في ذلك، لكنه من تلاميذ المدرسة السورية في الشك. لمعرفتي بطبيعتهم الشكاكة تلك كنت أداعبهم بأن أقول جملة في موضوع ما ولا أكملها، فيعتبرون أن هذه «سقطة لسان»، ويبدؤون دراستها واحتمالاتها، إلى أن أوضح لهم حقيقة هذه الجملة في زيارة تالية أو في التلفون. كنت أحكي للرئيس مبارك هذه المواقف فكان يضحك؛ لأنه يعرف تماماً مرض الشك الذي يسيطر على المسؤولين السوريين.
العلاقة مع دول الخليج
استقرار ومتانة العلاقات بين مصر ودول الخليج العربي، تعتبر ثابتاً من ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ تولي الرئيس السادات حكم مصر، وهي علاقات أثبتت الاختبارات المختلفة قوتها ومتانتها، وخير دليل على صحة هذا الطرح وقوف دول الخليج وراء مصر في حرب أكتوبر 1973، ووقوف مصر بجانب الكويت بعد الغزو العراقي لها سنة 1990، ووقوف معظم أشقائنا في الخليج بجوار مصر في السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013.
زرت بعد فترة من تعييني وزيراً للخارجية سنة 1991، خادم الحرمين، الملك فهد بن عبدالعزيز، ملك السعودية حينذاك، وكان لقاء حميمياً بين العاهل السعودي ووزير خارجية مصر التي اشتركت قواتها جنباً إلى جنب في حفر الباطن مع القوات السعودية في حرب تحرير الكويت سنة 1991. كان اللقاء بحق لقاء الأشقاء الحلفاء. وقد اعتقدت دائما ً- وإلى هذه اللحظة التي أكتب فيها مذكراتي التي تصف آرائي - أن مصلحة المنطقة ومصلحة العرب ومصلحة الاستقرار الإقليمي تتطلب أن تكون مصر والسعودية «إيد واحدة» بقدر الإمكان. في هذا اللقاء أكد الملك فهد أن وصية والده الملك عبدالعزيز لأولاده أن لا تفرطوا في مصر، وأن تقفوا بجانبها على الدوام. كرر ذلك على مسامعي بعد ذلك الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله.
الرئيس مبارك كان شديد الحرص على العلاقات المصرية الخليجية. ربطته صداقات وثيقة بحكام هذه الدول، فكانت له علاقة استراتيجية بالمملكة العربية السعودية، وكذلك الإمارات العربية المتحدة، ويحمل للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تقديراً كبيراً، وحدث ولا حرج عن متانة العلاقة المصرية الكويتية واهتمام مبارك بها، كما كان يحب البحرين ويزور حكامها. وكان يزور أيضاً قطر، ويلتقي بأميرها الشيخ خليفة آل ثاني، وولي عهده الشيخ حمد بن خليفة، قبل أن يصبح أميراً سنة 1995. وجمعته صداقة خاصة بالسلطان قابوس بن سعيد، سلطان عمان. وطبعاً توج ذلك كله بموقف مصر من غزو الكويت ومن تحريرها؛ الأمر الذي خلق علاقة استراتيجية وطيدة بين الخليج ومصر.
نتيجة للعلاقات الطيبة والقوية والقائمة على مصالح استراتيجية بين مصر ودول الخليج، لم تتوان هذه الدول الشقيقة عن مساعدة مصر بالأموال أو المنتجات البترولية، أو تمويل شراء بعض الاحتياجات الضرورية. وكذلك باستقبال العمالة المصرية الكثيفة، لكنني أؤكد على أنه طوال فترة عملي وزيراً للخارجية ابتعدت بالوزارة عن الموضوعات الخاصة بالمساعدات والبترول الخليجيين.
أذكر أننا كنا في إحدى زياراتنا للإمارات حيث جرى توقيع العديد من الاتفاقيات، وبعد أن ودع الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، الرئيس مبارك الذي ركب سيارته بعد العشاء، التفت إليّ الشيخ زايد، وشدّ على يدي، وقال: «نحن نؤيد سياستك العربية، ومعجبون جداً بها». وهنا يجب أن أقول إن جزءاً من احترام رؤساء هذه الدول الشقيقة لوزير الخارجية المصرية ربما يعود لأنه يتعامل مع الشق السياسي فقط، ومن منطلق يريحهم ويتماشى مع ما يتوقعونه كموقف مصري واضح وقائد، وفي الوقت نفسه يقدرون ابتعادي عن المسائل ذات الحساسية في العلاقات مثل المجالات المالية وغيرها.
الخلاصة: عندما تكون صريحاً وواضحاً وقوياً وعند كلمتك مع العرب يقدرونك بأعلى درجات التقدير، ويتعاملون معك بأمان وأريحية، أما لو شعروا بأنك بلسانين وقلبين لن يأمنوا لك جانباً وسينصرفون عنك أو يعاملوك بالمثل. إيماني عميق جداً بأن للعالم العربي جناحين بنفس الثقل، المشرق والمغرب ومصر في القلب منهما، وعلى الرغم من انشغال الجناحين في الكثير من المشاكل، كما نعلم، إلا أن استقرار مصر ونموها ومواقفها يعزز التناغم والترابط بينهما.
الخلاف مع قطر
اتسمت العلاقات المصرية القطرية بالشد والجذب منذ منتصف التسعينات، وخصوصاً بعد انقلاب الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على أبيه الشيخ خليفة آل ثاني سنة 1995، فبعد ذلك بنحو عام قام الشيخ خليفة بمحاولة فاشلة للعودة إلى الحكم؛ فاتهمت قطر كلاً من السعودية ومصر بالوقوف وراء هذه المحاولة، وهو ما أدى إلى توتر شديد في العلاقات المصرية القطرية، ودخلنا في سجالات مع حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وزير الخارجية القطري آنذاك.
تدخلت سلطنة عمان عبر وزير خارجيتها يوسف بن علوي بالوساطة بيني وبين حمد بن جاسم، قلت لبن علوي: لا يليق أن توجه قطر مثل هذه الاتهامات لدولة مثل مصر، التي هي دولة كبيرة ولها مكانتها في الإقليم وفي العالم؛ وبالتالي التعامل معها يجب أن يكون فيه نوع من الحذر والكثير من اللياقة. وفي الأخير استطعنا أن نتغلب على هذه المشكلة ونطوي صفحتها.
بعد ذلك قام تعاون كبير بيني وبين حمد بن جاسم، وكنت أداعبه دوماً بقولي: «كفاك جمعاً للثروة». فيقول لي: «أريد أن أصبح أغنى رجل في العالم العربي». سألت الأمير السابق حمد بن خليفة ذات مرة مداعباً: هل أكمل حمد بن جاسم المليار أم لا؟. فضحك الرجل وقال: لن يرتاح له بال ابن ال... إلا إذا أصبح أغنى ثري عربي.
علاقة الرئيس مبارك وحمد بن خليفة كانت طيبة، رغم بعض المشكلات التي كانت تظهر على فترات. من ضمن «القفشات» التي كان الأمير يرددها على لسان مبارك ويضحك جداً عليها حكاية طائرة حمد بن جاسم التي أمر أمير قطر بمنحها للرئيس اليمني علي عبدالله صالح، فبعد أن شاهد صالح هذه الطائرة خلال توديعه رسمياً في مطار الدوحة، أبدى إعجابه بها، فمنحها له الأمير، وكان بن جاسم واقفاً إلى جانبهما لا يتوقع ذلك، وحزن وظل يشير إلى هذا المقلب آسفاً، بينما ظل الأمير يشير إلى هذا الحدث، وكان كلما التقى مبارك مع بن جاسم يقول له: كيف تترك طائرتك لعبدالله صالح؟ فيرد بن جاسم في أسى: «كانت جامبو يا سيادة الرئيس»، فيرد عليه مبارك على الطريقة المصرية «جامبو على جانبو».
ما أودّ التأكيد عليه هو أن قطر تمكنت من استخدام أموالها الهائلة في استثمارات على مستوى العالم، وعلى مستوى الدول التي تريد التأثير فيها؛ فلها استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرها. وبهذه الاستثمارات الضخمة خلقت لنفسها «لوبي» خاصاً بها في الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان تدير الاستثمارات القطرية فيها إحدى الشخصيات اليهودية المعروفة، وهو رجل سهل الحركة سريع التواصل منفتح على كثير من الأوساط المتنفذة أمريكياً وعربياً. وكان يتباهى بذلك، ولكنه كان قادراً على الوصول إلى أعلى السلطات الأمريكية لتأمين الطلبات القطرية، بما فيها اللقاءات الخاصة بالرئيس وغيره من المسؤولين.
لقد أصبحت قطر أحد منفذي السياسة الأمريكية التي يعتقد الكثير من الباحثين أنها استقرت على ضرورة تولي «الإسلام المعتدل» الحكم في عدد من البلاد العربية المهمة وعلى رأسها مصر، وأن أي تغيير في حكم أي من هذه الدول يجب أن يؤدي إلى تسلم «الإسلام المعتدل» للحكم. كانت مصر هي الهدف الأساسي في ذلك، ومن هنا جاء موقف قطر ضد النظام المصري السابق (نظام مبارك) والنظام المصري الحالي (نظام السيسي) وتماهيها الواضح مع النظام الإسلامي (نظام مرسي).

شهادة مصطفى عثمان
لعله من المناسب هنا أن نسمع صوت مصطفى عثمان إسماعيل، ليدلي بشهادته عن العلاقات المصرية السودانية، وجهودنا معاً لإذابة الجليد بين البلدين، وفي هذا السياق يقول إسماعيل: «عمرو موسى كان محباً للعلاقات المصرية السودانية. كان مدركاً أن هذه العلاقات على شفا حرب، عقب محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا سنة 1995 على يد الجماعة الإسلامية المصرية، والتي اتهم السودان بتقديم الدعم لهذه الجماعة كي تنال من الرئيس المصري.
أقول كانت العلاقات على شفا حرب؛ لأنه حدث أنني التقيت الرئيس مبارك بعد ذلك، وقال لي في سياق الحديث عن محاولة اغتياله ما يلي بالنص: «تصور يا مصطفى بعد عودتي للقاهرة من أديس أبابا جاءتني قيادة القوات الجوية. أدوا لي التحية العسكرية، وقالوا لي: احنا جاهزين لكي نضرب الخرطوم رداً على تورطها في محاولة اغتيالك. كان القادة يشعرون بالمرارة الشديدة باعتبار أن رئيسهم أهين. كان ردي عليهم حاسماً: يا خبر.. أنتم عارفين بتقولوا إيه؟ أنا طبعاً شاكر لكم مشاعركم النبيلة تجاهي، لكن إذا ضربتم الخرطوم كأنكم ضربتم القاهرة، هذا موضوع سياسي ولا يعالج بهذه الطريقة».
انتعشت العلاقات المصرية السودانية التي كانت على شفا الحرب بفضل وجود عمرو موسى على رأس الخارجية المصرية، وطرحت في ظل ولايته اتفاقية الحريات الأربع (حرية التملك والتنقل والإقامة والعمل، بين البلدين) مع مصر والسودان، والتي تحمس لها وتم توقيعها سنة 2004 بعد رحيله من الوزارة، (النص الكامل لشهادة مصطفى عثمان إسماعيل موجودة بالكتاب).