عمرو موسى، اسم عريق في تاريخ الدبلوماسية المصرية والعربية، حياته المهنية الحافلة والمناصب الرفيعة التي تقلدها سواء في العشرية التي شغل فيها منصب وزير الخارجية المصرية (1991- 2001)، أو في العقد الذي قضاه أميناً عاماً للجامعة العربية (2001- 2011)، بخلاف سنوات عمله في الوفد المصري بالأمم المتحدة في ستينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، جعلته منجماً لأسرار وكواليس الكثير من الأحداث الكبرى التي عاشها العالم العربي من محيطه إلى خليجه في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى يومنا الحاضر؛ فخلال الفترة التي أعقبت تقاعده عن العمل الرسمي انخرط في شؤون مصر الداخلية، ولم تنقطع صلته بما يدور في المطابخ السياسية العربية والعالمية.
الخبر السار أن موسى قرر منذ الربع الأخير من سنة 2015 أن يكتب مذكراته التي اختار لها عنوان «كِتَابِيَهْ»، الذي استمده من الآية القرآنية الكريمة «فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ (الحاقة - 19)؛ ليخط فيها شهادته على الأحداث التي عاصرها من المواقع المختلفة التي شغلها طيلة حياته المهنية، كاشفاً الكثير من الأسرار التي ستحظى باهتمام المواطن المصري والعربي في كل مكان. تأتي مذكرات موسى - كما يقول في مقدمة الجزء الأول -»في ثلاثة أجزاء منفصلة وإن متتابعة مترابطة، يسرد الجزء الأول منها نشأتي حتى أصبحت وزيراً للخارجية وينتهى بخروجي من الوزارة، ويتعامل الجزء الثاني من المذكرات مع السنوات العشر التي قضيتها على رأس الجامعة العربية. فيما يتعلق الجزء الثالث بما بعد ذلك، أي من 25 يناير 2011 وحتى إقرار الدستور في عام 2014 وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر».

تواصل «الخليج» نشر حلقات من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى، الذي يغطي الفترة من ميلاده سنة 1936، إلى نهاية عمله وزيراً للخارجية المصرية عام 2001.
وفي الحلقة الأخيرة من الكتاب يقدّم موسى تحليلاً عميقاً لشخصية الرئيس الأسبق حسني مبارك، وظروف رحيله عن وزارة الخارجية. ونشدّد على أن ما يرد في هذه المذكرات، وإن جاء على لسان عمرو موسى بصيغة المتكلم، إلا أنه في الحقيقة اختزال شديد جداً للنص الأصلي بتفاصيله الكثيرة والجديدة والمشوقة في آن واحد.
كان حسني مبارك مختلفاً اختلافاً جذرياً عن سلفيه جمال عبد الناصر، وأنور السادات. كان عبد الناصر قوياً لا يقبل المساس بشخصه، وأنور السادات كان ثعلباً مدرّباً، ولكنه كان أيضاً مغامراً، فمبادرات الحرب والسلام التي أطلقها بقدر ما كان فيهما من حسابات وطنية - كان فيهما أيضاً كل عناصر المغامرة أو المقامرة.. وآه لو كان قد فشل. وهنا أيضاً لم يكن مبارك من تلك القماشة المعقدة التركيب في جزء كبير منها.
مبارك كان متواضعاً في طموحاته، ليس مستعداً لأن يدخل في أي مغامرة عسكرية ضد «إسرائيل»، ولم يكن مستعداً للمزايدة على العرب، وبالذات المملكة العربية السعودية أو على الوسط الخليجي كله. ومنذ أول أيامه وهو يجنح إلى السلم، ومنطقه في ذلك يمكن فهمه، فالأرض قد استردت، وما بقي منها يمكن استكمال استرداده بالعلاقة الطيبة مع الغرب و«إسرائيل».
كانت مشكلة مبارك داخلية؛ التنمية المتوقفة والاقتصاد المعطّل. يشعر بخطورة هذا الوضع على استقرار مصر، وربما على نظام 23 يوليو الذي ورثه.
والواقع أن مبارك كان رجلاً وطنياً، ومصرياً حدقاً، ومنوفياً بكل معني الكلمة. لم يكن من السهل خداعه. بالطبع كان يعلم حجم الفساد المستشري، وأعتقد أنه كان يحاول تحجيم الفساد خاصة على مستوى الوزراء وذويهم، وكم من مرة تحدث مع هذا الوزير، أو ذاك، عن فساد أولادهم و«كفاية كدة»، كما كان يقول لهم. ولكن التساؤل ثار عن ثروة ولديه جمال وعلاء. كان الرئيس يردد أن جمال رجل بنوك كفء، وأنه أصبح ثرياً من عمله، أما علاء (الأكثر تواضعاً) فيعمل في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي كان بعضها زراعياً. كان مبارك يتطوع أحياناً بذكر ذلك ربما ليدفع عن ولديه تهمة استغلال وضعهما لتكوين ثروة، إلا أن الوضع كله كان موضع انتقاد في معظم الأوساط المصرية.
مبارك شخصية لطيفة محببة، له قفشاته الطريفة، وكان إذا جد الجد ذا صوت مرتفع يخشاه كل من حوله. كان ذا قبضة قوية على رأس النظام، حتى العقد الثالث من حكمه، الذي ضعفت خلاله تلك القبضة بشكل لافت. كان صفوت الشريف يردد في تلك الآونة: «الراجل عجَز والاَ إيه»، حيث لا يجد استجابة لبعض ما كان يشير به في مجال الإعلام، أو مجالات السياسات الداخلية.
كان يناقش الأمور ويستمع ليقرر بعد ذلك ما يري بعد «وزن» الآراء المختلفة، ولكنه كان «منوفياً» حقيقياً، فكان يستمع لآراء خبراء (في الظل) في جلسات خاصة، قبل أن يجتمع بفريقه في جلسات رسمية، وإن كانت مغلقة، فيأتي عالماً بالعديد من أركان القضية المطروحة وبمختلف الآراء فيها. وقد اكتشفت ذلك في نقاشي السياسي معه، إلا أنني كنت أعلم أن أياً من مستشاريه في السياسة الخارجية لم يكونوا على اطلاع كامل بالأحداث الدولية والإقليمية وتطوراتها، وما وراءها وما حولها من ظروف.
مبارك كان يتمتع بتوازن مبسط للأمور: أمن الرئيس و«برستيجه» وأمن الدولة داخلياً، والتواصل مع الناس وأن يظهر لهم على سجيته، والقبضة الحديدية بالنسبة للمعارضة مع إعطائها مساحة تتسع أو تتقلص حسب الظروف والمعطيات والاحتياج، وغض الطرف عن بعض الفساد بين كبار مؤيديه وأركان نظامه وعائلاتهم. هذه هي المعادلة.
كما كان شخصية أنيقة، بمعنى أنه كان لديه ذوق في الملبس. يعرف كيف يختار ملابسه، فتراه يرتدي أفضل «البدل» التي ليس بالضرورة أن تكون «ماركات» عالمية. وكذلك عندما تزوره في بيته، تجده مرتباً ومنظماً وأنيقاً، وإن كان البيت وحسن ترتيبه يحسب للزوجة أو المرأة سيدة هذا البيت.
علاقة الرئيس والوزير
بعد هذه الإطلالة السريعة على بعض من جوانب شخصية الرئيس مبارك أقول، إنه منذ اللحظة الأولى لتعييني وزيراً للخارجية، أراد أن يمكنني من الوزارة. كان ينظر إليّ باعتباري أول وزير من جيل جديد هو الذي اختاره ودفع به لتولي مواقع القيادة، فالسنوات العشر الأولى من موقعه في رئاسة الجمهورية التي سبقت وصولي إلى هذا المنصب (1981- 1991) كان يعتبر القائمين على وزارة الخارجية قبلي ينتمون إلى العصور السابقة، وأنهم لمعوا في عصر الرئيس السادات.
حرصت على تعزيز ثقة الرئيس في شخصي عبر تنظيم العمل الدبلوماسي بأعلى درجات الانضباط والاحتراف، فلم يكن مسموحاً لديّ أن يقرأ الرئيس خبراً في الصحف إلا وتكون وزارة الخارجية قد أرسلت له تقريراً شافياً عنه قبل أن يقرأه، ودائماً ما كانت هذه التقارير تحمل توقعات أو توصيات أو اقتراحات بمواقف معينة، تتخذها مصر فيما يخص هذه القضية أو تلك.
وتيرة العمل السريعة في وزارة الخارجية في السنوات العشر التي قضيتها وزيراً للخارجية، كانت تجعل مبارك مواكباً ومتابعاً للأحداث معنا ساعة بساعة.
فمن عادتي أن أظل في مكتبي حتى الحادية عشرة قرب منتصف الليل، وما دام الوزير موجوداً فهناك أطقم من معظم الإدارات ستكون موجودة حتى هذه الساعة المتأخرة، وبالتالي كانت ردود أفعالنا على الأحداث سريعة جداً، فما من ساعة يتصل فيها الرئيس بالوزير إلا ويجده جاهزاً بكل المعلومات عن الأحداث التي وقعت للتو، فأطقمي تعمل على مدار الساعة وتزوّدني بالتطورات أولاً بأول، وبالتالي فالوزارة جاهزة للرد على أي استفسار يأتي من أي جهة في الدولة في أي وقت، وهذه طريقة أعجبت حسني مبارك جداً، بعد أن اختبر فعاليتها في أكثر من مرة.
إن العمل بيني وبين الرئيس كان سهلاً من الجانبين، فقد كنت حريصاً على أن أضعه في الصورة من كل ما يجري، ومن كل المبادرات التي عرضتها باستفاضة في فصول هذا الكتاب، سواء لجهة إعادة مصر لقلب العمل العربي المشترك، بعد القطيعة التي أعقبت اتفاقية السلام مع «إسرائيل»، أو على صعيد إدخال «الدائرة المتوسطية» لدوائر اهتمام السياسة الخارجية المصرية، ومقترحاتنا لتطوير «حركة عدم الانحياز» أو الحركة النشطة في إفريقيا، أو ملاحقة البرنامج النووي «الإسرائيلي» في اتفاقية «حظر الانتشار النووي»، وقبل كل هذا كانت مبادرتي بإعادة هيكلة وزارة الخارجية التي لمس هو شخصياً أنها أصبحت تضارع أعتى الوزارات النظيرة لها في العالم، من حيث الكفاءة والقدرة على المبادرة وسرعة رد الفعل.
كل هذه الأمور جعلت مبارك يتعاطى بإيجابية معي ومع وزارة الخارجية؛ لأنه لمس في التعامل معنا الكثير من العناصر الإيجابية، أذكر منها على سبيل المثال:
أن النشاط الذي تقوم به وزارة الخارجية أصبح مضاعفاً، وله فعاليته في تعزيز الحضور المصري على الساحتين العربية والدولية، فقد أصبحت مصر من العواصم التي يهتم الجميع بالاستماع إليها في أي أمر يخص العالم العربي والإقليمي، بل وعدد من القضايا الدولية.
أصبحت الوزارة صاحبة مبادرات مهمة، وتستطيع بالفعل أن تضعها موضع التنفيذ على الأرض، كما الحال في التعاون مع دول البحر المتوسط، وفي القضية الفلسطينية وملاحقة البرنامج النووي «الإسرائيلي» وغيرها.
أصبح الرئيس مبارك نفسه يشعر أنه أصبح «better informed»؛ أي أن المعلومات التي ترسلها له وزارة الخارجية تجعله في وضع معرفي أفضل، فيما يخص كل القضايا المطروحة خارجياً.
أن الوزارة تؤدي عملها بكفاءة دون أن تدخل في أي نزاع مع أي من أجهزة الدولة الأخرى، التي يتماس عملها مع قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي، ذلك أنني حرصت بشدة على تنظيم التعاون مع هذه الأجهزة، والتفاهم معها باعتبار أننا نكمل بعضنا بعضاً، وأننا لسنا في وارد الدخول في منافسة مع أحد، وهو ما كان مصدر سعادة واطمئنان لمبارك؛ لأنه لم يكن يحب الصراعات في العمل.
هذه الطريقة في العمل أشعرت مبارك، كما قال الدكتور مصطفى الفقي، أنني وأنا أخدم سياسة مصر الخارجية أخدمه شخصياً، فبات رأيه مطلوباً في كل قضية من قضايا الإقليم، فالجميع يريد أن يعرف رأي مصر في هذا التطور أو ذاك، وهو ما أشعره كم أصبحت مصر مؤثرة. ومن هنا أضحى تفاعله مع مؤسسة وزارة الخارجية كبيراً، وخلال هذا التفاعل كنت أشعره على الدوام بأنني لا أستقل بقرار على حسابه.
من يصنع السياسة الخارجية؟
توجد مسألة مهمة أحب التطرق إليها لأنها مثار «لغط» دائم في الدوائر الأكاديمية والصحفية المصرية، وهي من يصنع السياسة الخارجية في مصر؟. يجزم البعض بأنه رئيس الجمهورية منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952. وهنا أحب أن أقول إنه ليس في مقدور أي رئيس الإشراف الكامل على السياسة الخارجية لمصر؛ لأن السياسة الخارجية تتشكل من مواضيع وأولويات متعددة، وممارسات وخطط ومناورات واتصالات على مستويات مختلفة، والاطلاع على أوراق وتفاصيل عديدة تتطلب سرعة التصرف من الوزير؛ لأنه لا يعقل أن يعود للرئيس في كل كبيرة وصغيرة.
لكن الرئيس هو الذي يوجه الإطار العام للتوجه السياسي الخارجي، وهو ما يجب أن يحترمه الوزير بالعمل في إطاره، ربما مع تفسير بعض قواعده تفسيراً ليبرالياً بعض الشيء، مثلما حدث مثلاً في موضوع العلاقة مع «إسرائيل». فالعلاقة علاقة سلام ولو كان سلاماً بارداً، فحين طلبت «إسرائيل» أن يزورها وزير الخارجية زيارة رسمية وافق الرئيس مبارك، ولم يكن لوزير الخارجية أي سبب للاعتراض على ذلك وقد ذهبت، ولكن كيف سارت الزيارة؟ وما الذي قيل فيها؟ وما هي الأماكن التي زارها الوزير والتي لم يزرها؟ ومدة الزيارة، وما يتعلق بالمؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء أو مع وزير الخارجية «الإسرائيلي»؟ كلها متروكة للوزير تماماً، بآثارها الإيجابية والسلبية.
أؤكد قبل أن أُنهي هذه النقطة أنه على الرغم من أن موقف الرئيس في بلد مثل مصر يكون بالطبع أقوى من وزراء الخارجية، لكن هناك فارق بين من يبادر بالصناعة في وزارته ويعمل على إقناع الرئيس باتخاذ سياسة معينة، وبين من ينتظر دائماً من الرئيس التوجيه. إنني أعتقد أنني كنت مع الرئيس مبارك في مسألة صناعة السياسة الخارجية لمصر، تماماً مثل وزير الخارجية محمد صلاح الدين باشا، مع مصطفى النحاس باشا، في الحكومة الأخيرة للوفد سنة 1951، على صعيد الشراكة في صناعة سياسة مصر الخارجية ومحدداتها.
نوادر مع مبارك
كنت في أحيان كثيرة أحب مداعبة الرئيس مبارك، بسبب عدم قدرته على الاستمتاع بحرية التنقل بسبب دواعي الأمن. أذكر أننا ذات مرة كنا في زيارة لفرنسا، وقلت له يا سيادة الرئيس «هو فيه حد يحب يبقي رئيس محبوس.. انظر إليّ. الآن أنا أتمتع بحريتي، فالآن سأخرج للتنزه وتناول العشاء في مطعم باريسي أحبه، وبعد ظهر غد بعد المباحثات سأخرج لشراء بعض الملابس والمستلزمات الشخصية». دعوت الرئيس للعشاء في الخارج إلا أنه اعتذر بأن خروجه سيؤدي إلى «دربكة» كبيرة.
ثم قال لي: «لازم أشوف كل اللي هتشتريه». بالفعل اشتريت مجموعة متنوعة من رابطات العنق وعدداً من القمصان والجوارب وحذاء. فأعجب بكل ما اشتريته إلا الحذاء «كل حاجة شيك إلا الجزمة»، وعلى الفور استدعى مدير مكتبه جمال عبد العزيز، كي يذهب للمحل الذي اشتريت منه ليشتري له بعض الملابس، ولم ينس أن ينبّهه على أنه يحب الجوارب متوسطة الطول، عكسي أنا، حيث أحب الجوارب الطويلة التي تصل إلى الركبة.
وفي مرة ثانية كنا في زيارة للولايات المتحدة، وفوجئت به يقول لي: «هتعمل إيه يوم الأحد؟».
- قلت له: هلف في المحلات من الصبح.
- قال: خلاص.. هطلع شوبينج معاك.
حددنا موعداً للانطلاق إلى التسوق. طلبت تخفيف الموكب نسبياً؛ لأننا سنذهب إلى منطقة تجارية. أول محل دخلناه كان اسمه «جيمز» في مول اسمه «تايسونس كورنرز». قلت له: يا ريس هذا المحل فيه أحذية وجوارب وجرافتات وبدل ممتازة، فدخلنا، ولم يسمح لأي من المرافقين والحراس بالدخول معنا. قلع جاكته وحذاءه وبدأ يتجول مستمتعاً بتلك الحرية المؤقتة، وراح يقيس في الأحذية ويقلب في القمصان، لمحت في عينه فرحة كبيرة جداً مثل فرحة الطفل عندما تُشترى له ملابس جديدة؛ لأن الرجل كان محروماً من متعة التسوق بنفسه.
صاحب المحل كان «يشبّه» على مبارك. قلت له: هذا هو الرئيس المصري مبارك، ولابد أن تعمل خصم لهذا الزائر الكبير لمحلك، وبالفعل أعطانا الرجل خصماً وصل إلى 40%، اشترى الرئيس بدلتين، وعدداً من القمصان والجوارب وربطات العنق وحذائين، وأنا اشتريت مثله تقريباً. وبعد أن خرجنا عدنا للمحل للحصول على أربطة مجانية للأحذية طبقاً لاقتراحي.
مبارك من الناحية الإنسانية كان شخصية ظريفة جداً، وله قفشات كثيرة منها، أنه كان يقول ضد رئيس وزراء «إسرائيل» بنيامين نتنياهو «ده نتن ياااااهو»، وأي مسؤولة نحيفة كان يقول عليها «دي بوصة ولبسوها بقت عروسة». كان يحب الأكل جداً، وعندما نذهب للمائدة يقول «أنتم عارفين مبحبش آكل»، وعلى الرغم ذلك «يأكل بشهية مفتوحة»، وبعد الأكل نضحك ونقوله «يا سيادة الرئيس: أنت ليه خففت في الأكل النهاردة؟».
أغنية «شعبولا»
تأكدت رغبتي في ترك منصب وزير الخارجية خلال عام 2000 أكثر من أي عام آخر، فقد وصلت شعبية وزير الخارجية إلى الذروة، وملأ الرضا الشعبي عن أدائه الآفاق، نتيجة شعور المواطن المصري والعربي في كل مكان بأن عمرو موسى ينطق بلسانه، ويتخذ نفس المواقف التي يتمناها هذا المواطن تقريباً، في حدود ما لدى وزير الخارجية من صلاحيات، وكان هناك من لا يتردد في إيغار صدر رئيس الجمهورية تجاه أي مسؤول ناجح، فلا يجب، وفق هذا المنطق، أن يكون على الساحة شخص آخر معترف بدوره غير شخص الرئيس، ومن هنا يبدأ مسلسل الوشايات، وما أكثر من يجيدون لعب مثل هذه الأدوار!.
كل الشواهد في هذه السنة كانت تشير إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة، غير أن هناك بعض الأحداث التي عجلت برحيلي من الوزارة، منها ما يتسم بالطرافة، مثل أغنية شعبان عبد الرحيم، التي يقول ويكرر في أكثر من مقطع فيها «بكره» «إسرائيل».. وبحب عمرو موسى»، في ظل أجواء مشحونة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فأعطت هذه الأغنية كمية كبيرة من الذخيرة لكل من أراد التصويب على وزير الخارجية، الذي يتردد اسمه في الأغنيات، التي تنتشر كالنار في الهشيم بين الشباب في مختلف أرجاء الوطن العربي، ويغنيها الناس في أفراحهم. فكيف يحدث أن يأتي «حب عمرو موسى مقترناً بكره «إسرائيل»؟.
لم أسمع أغنية «شعبولا» فور صدورها، لكن ما لفت انتباهي إليها هو الاعتراضات «الإسرائيلية» عليها. وفي الحقيقة لم أقابل صدورها بشيء من الضيق أو الضجر، على الرغم من علمي بأنها ستفتح عليّ أبواب جهنم. أتى لي صديق بهذه الأغنية، وبينما كنا نسمعها معاً، صاح هذا الصديق فجأة «الله يخرب بيتك يا شعبان يا عبد الرحيم.. الموضوع كده هيخلص بسرعة ياعمرو بيه»، في إشارة إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة. ضحكت وقلت له: يا رجل 10 سنوات لي في الوزارة كافية جداً، وياللروعة عندما أنهيها على نغمات اللحن شبه الوحيد لشعبان عبد الرحيم (إييييه)»، ورحنا في نوبة من الضحك على هذه الأغنية وصداها على المستويين الشعبي والرسمي.
لا أعتقد أن الرئيس حسني مبارك قد اتخذ قراره بتغيير وزير الخارجية بناء على هذه الأغنية فقط، لكن كانت لديه تراكمات كثيرة قبلها تجاهي من فعل الوشايات التي لم تنقطع، والتي منها على سبيل المثال ما كان يردّده البعض على مسامع الرئيس ضدي مثل قولهم: «هو عمرو موسى بيسافر كتير كده ليه؟ ده مبيقعدش في مصر يومين على بعض يا ريس»، وكأني كنت وزيراً للحكم المحلي، لا وزيراً للخارجية، طبيعة عمله تحتم عليه كثرة الأسفار لمختلف العواصم، حفاظاً على المصالح المصرية في الخارج، وتأكيداً للحضور المصري في العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
أذكر أيضاً أن صفوت الشريف، وكان ركناً معتبراً من أركان النظام، دعا مبارك لزيارة مبنى التلفزيون بمناسبة عيد الإعلاميين. لم يوجه لي الدعوة مثل باقي الوزراء، وبينما الرئيس يتفقد المبنى، وطبقاً لما ذكره لي أكثر من واحد من كبار الصحفيين في تلك الفترة؛ إذ بصفوت يشير إلى مبنى الخارجية المجاور للتلفزيون على كورنيش النيل ويقول: «هناك يا سيادة الريس.. في هذا المبنى الضخم توجد إمبراطورية عمرو موسى»!.
أحب أن أقول في هذا السياق إن الذي كان يوغر صدر الرئيس ضد الوزراء هو مسؤول مدني كبير، كان شديد الغيرة من بعض الوزراء، ومملوء بالشك والريبة تجاههم، فأضر بعدد منهم، وأضر بنفسه، وأضر بالرئيس بإعطائه صورة مغايرة لما عليه حقيقة بعض المسؤولين، الذين كانوا ينكبّون على أداء مهامهم بإخلاص، لكن غيرته منهم كانت سبباً لتأليب الرئيس عليهم.
الرحيل عن الوزارة
بعد عدة أسابيع من انتهاء مؤتمر القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ في21 و22 أكتوبر 2000، أرسل الرئيس إليّ رسالة من خلال مكتبه، تقول إن الدكتور عصمت عبد المجيد سيغادر منصب الأمين العام للجامعة العربية، فمن ترشح ليحل محله؟. كان عبد المجيد قد تحدث إليّ قبلها بفترة مؤكداً قدرته على العطاء في الجامعة العربية لعامين آخرين، وأنه لا يفكر في التقاعد الآن. كلمت الرئيس مبارك ونقلت إليه رغبة عبد المجيد، واقترحت أن نعمل على التمديد له عامين بناء على رغبته، وأكدت أنني أنقل رسالة الرجل، لكن لا تعليق لي عليها.
رد مبارك «لا لا لا.. عصمت كبر خلاص.. قوله: كفاية لحد كده.. يا راجل ده فيه دول كثيرة أبلغتني أنهم لا يرغبون في التجديد له». ثم أضاف بحدة واضحة في نبرة صوته: «قول له كفاية كده يا عصمت.. كفاية». عند هذه اللحظة تيقنت أنه يفكر فيّ أنا لأحل محل عبد المجيد. وهو ما تم بالفعل، ذلك أنه عرض عليّ بعد ذلك تولي المنصب ورحبت. وتم الإعلان عن ذلك رسمياً في 15 فبراير 2001، وهو ما حظي باهتمام عربي كبير مخلوط بالأسف العام لتركي وزارة الخارجية.
كانت المشاعر جياشة في وزارة الخارجية تجاهي بعد أن تم التأكد من أنني سأغادر منصبي، لقد أحاطني زملائي وكل العاملين بالوزارة بمشاعر من الحب والمودة الصادقة والخالصة مازلت ممتناً لها حتى اليوم، بعد 10 سنوات عملنا فيها جميعاً كفريق واحد لم يتسرب إليه الكلل أو الملل، ولذلك كان حماس الجميع كبيراً لتنظيم حفل وداع كبير لوزير الخارجية في حديقة الوزارة، لكن يبدو أن هذا الأمر أيضاً لم يرق للرئيس والمحيطين به، خشية أن يتحول الحفل إلى تظاهرة كبيرة في حب عمرو موسى.
لم تجد الإشاعات نفعاً أمام حماس أبناء وزارة الخارجية لتكريم وزير أحبّوه وقدروه كما أحبهم وطور من أدائهم، وبينما نحن في زيارة ألمانيا يوم 24 أبريل 2001، وإذ بالسكرتير الخاص للرئيس جمال عبد العزيز يأتي إليّ في الجناح الخاص بي في الفندق الذي كنا ننزل فيه، وبعد مقدمات عادية، فوجئت به يقول: «بقولك إيه عمرو بيه.. هو ضروري تعملوا حفل الاستقبال بتاع وزارة الخارجية ده.. ما تسيبك منه».
قلت له: تقصد نلغيه؟.
قال نعم.
قلت: اسمع يا جمال.. أنت جاي منين دلوقت؟
قال: جاي من عند الرئيس.
قلت: كده.. طيب قول للرئيس إني هلغي الحفل.
أجريت على الفور اتصالاً هاتفياً بالمستشار هشام بدر (السفير الآن)، الذي كان قائماً على ترتيبات هذا الحفل من طاقم مكتبي. قلت له جملة واحدة: الغ الحفل يا هشام. صرخ الرجل من الناحية الأخرى: كيف؟ لقد مضى الوقت الذي نستطيع فيه إلغاء الحفل.
رددت بمنتهى الحدة: الغ الحفل يا هشام، لأنه سيؤدي إلى كثير من المشاكل.. خلاص انتهى الموضوع. بنبرة حزينة مازالت أصداؤها في أذني حتى اليوم، قال هشام: «اللي تشوفه يا أفندم». وتم إلغاء الحفل بالفعل.
أظن أن مبارك شعر بشيء من الحرج بعد أن تم إلغاء حفل الوداع الذي جهزته لي وزارة الخارجية، وطلب إلى الدكتور عاطف عبيد، رئيس الوزراء، تنظيم حفل صغير يقتصر على أعضاء مجلس الوزراء في وداعي لوزارة الخارجية، وقد تم ذلك مساء يوم 15 مايو 2001، وهو آخر يوم عمل لي بالوزارة.
بعد ذلك بخمسة أيام في يوم 20 مايو 2001، استدعيت وعصمت عبد المجيد للحضور لرئاسة الجمهورية لتسلم «وشاح النيل». كانت الأمور قد وصلت بين الرئيس مبارك وبيني لحالة من الجفاء الواضح. استقبلنا عصمت وأنا وأمارات العصبية بادية عليه، فسلم على عصمت سلاماً جافاً، لا ترحيب فيه، وبجفاف أكثر سلم عليّ، فأخذت «الوشاح» وانصرفت دون أن تلتقي أعيننا.