تم تداول نظرية تساقط أحجار الدومينو مرات كثيرة في الصراع في وعلى الشرق الأوسط، حيث تم إسقاط هذه النظرية نسبة إلى لعبة الدومينو الشهيرة، على أزمات وصراعات وظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية أصيلة أو طارئة .
وعلى سبيل المثال، لا الحصر، ساد إثر انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، توقع يفيد بالسقوط المتتابع المتوالي لكافة الأنظمة الشمولية الديكتاتورية في أوروبا الشرقية -منظومة الدول الاشتراكية- وفي أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط . وعملياً سقطت أنظمة شرق أوروبا الموالية لموسكو على نحو دراماتيكي . لكن هذا لم يحدث في بقاع أخرى من العالم، وفي مقدمها الشرق الأوسط رغم تخشب وضمور اليسار العربي وتراجع لغة الخطابة الايديولوجية .
وسادت النظرية نفسها لدى سقوط النظم الجمهورية السياسية في تونس وليبيا ومصر، حيث أفادت توقعات مفرطة في التفاؤل أن حركة دومينو التغيير لن تتوقف . وهذا لم يحدث فالربيع العربي لم يتحول إلى موجات متتابعة لتسونامي سياسي . بل جرى تحويله إلى ما يشبه الدوامة أو متاهة أزمات وفتن وحروب أهلية تقوض أركان الدولة الوطنية المأزومة والفاشلة والمترهلة، لصالح مشاريع دول ثيوقراطية دينية-طائفية تنشد بناء فردوس أرضي ظاهرياً، إلا أنها تشرع الأبواب على مصراعيها لتدخلات خارجية قد تطيح بالأوطان وتغير الجغرافيا السياسية للمنطقة .
ولقد شكل الحدث السوري المتوالية فصوله المختلفة منذ نحو عامين ونصف العام نموذجاً لدوامة أزمات متشابكة أنتجت دومينو سوري خاصاً . فالأزمة الأصلية الجوهرية السياسية-الاجتماعية-الاقتصادية التي دفعت نحو حراك شعبي سلمي التي تطلبت حلاً ديمقراطياً حضارياً وعدالة وتنمية اقتصادية، جرى تفخيخها وتقديمها على أنها نبت شيطاني-إرهابي ومُنتج خارجي إقليمي-دولي .
ومهدت هذه الصورة الطريق أمام تدخلات خارجية من كل حدب وصوب لخصوم وأعداء وأصدقاء وحلفاء الأطراف المحلية للأزمة التي حُوّلت إلى رزمة أزمات: إنسانية وأقلوية ومذهبية وطائفية وقومية ربطت مباشرة أو مداورة بالصراع الرئيس في الشرق الأوسط .
ووجدت إسرائيل التي تفخر بكونها واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الديكتاتوريات العربية، ضالتها في حالة الفوضى السائدة لتؤكد على لسان الصحفي عوفر شيلح أن الديمقراطية ليست من أجل العرب . والعرب محجوزون منذ مئات السنين وراء الغرب وإسرائيل بسبب الثقافة والتراث القبلي، وربما حتى لشيء لا يمكن تغييره في صورتهم الجماعية . فمن الجيد لهم وللعالم أن يحكمهم طُغاة يعتمدون على قوة عسكرية، ويورثون أبناءهم الحكم مع الايهام بالانتخابات . الحرية ليست خيراً لهم، لأن صبغتهم الظلامية ستندفع خارجا في موجة عنف موجهة الى المحيط .
وتعد أزمة السلاح الكيماوي السوري مقدمة لأزمات قادمة فالاتفاق الأمريكي-الروسي القاضي بتدميره لم يدفع إسرائيل نحو الترحيب أو التنديد به، بل دفعها نحو الطلب من إدارة أوباما عدم ربط تنفيذ الاتفاق بتجريد إسرائيل من سلاحها الكيميائي، وهي التي لم تصادق بعد على المعاهدة الدولية لحظر انتشار السلاح الكيماوي .
وقد استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤخراً، اجتماعاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا للضغط على دمشق من أجل فتح تحقيق في أنشطتها النووية . وقال المندوب الإسرائيلي لدى الوكالة إيهود أزولاي، لمجلس المحافظين المكون من 35 دولة، إن مستوى الثقة في سوريا في المجال النووي مماثل للثقة بها في المجال الكيميائي . كما قال مندوب الولايات المتحدة جوزيف ماكمانوس: إلى أن تتمكن الوكالة من الإجابة عن كل الأسئلة العالقة بشأن الطبيعة السلمية البحتة للبرنامج النووي السوري، فإن عدم التزام سوريا سيظل مبعث قلق جدي .
ووفقاً للتقديرات، لا تسعى سوريا، وراء حيازة القدرات النووية ، على الرغم من امتلاكها لمفاعل تجريبي بنته لها الصين . وكانت سوريا الموقعة على اتفاقية عدم الانتشار NPT، قد طالبت بقوة وتكرار بإقامة منطقة خالية من كل أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط . وباعتراف الدوائر الرسمية الأمريكية فإن سوريا لا تقوم بأية أبحاث تؤدي إلى إنتاج كميات من المواد الانشطارية كما أنه لم يُسجّل عليها أية اتصالات لشراء مثل هذه المواد من الخارج . وتملك سوريا مفاعلاً صغيراً بقوة 30 كيلوواط مخصّصاً للأبحاث العلمية وهو غير قادر على الإنتاج من أجل صنع قنبلة نووية .
ولقد حاولت سوريا شراء مفاعل للأبحاث من الصين ولكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد حالت دون استكمال العقد، وفي العام 1995 ضغطت الولايات المتحدة على الأرجنتين للحؤول دون بيع سوريا مفاعلاً نووياً . وفي يوليو/تموز 1998 وقّعت سوريا مع روسيا على اتفاق لشراء مفاعل يعمل بالماء الخفيف
وبقوة 25 ميغاواط، واستتبع هذا الاتفاق عام 1999 بتوقيع بروتوكول تعاون بين الدولتين من اجل التعاون في النطاق النووي السلمي .
وهذا يدعو للاعتقاد أن متوالية دومينو الأمنيات والطموحات الإسرائيلية ستتواصل فبعد الكيماوي السوري هناك الملف النووي والبيولوجي وملفات أخرى وصولاً إلى تفكيك أو تغيير خريطة سوريا أو تهويدها .