"أونا" فاتنة شارلي شابلن

انتظر بلوغها 18 عاماً ليتزوجها
01:41 صباحا
قراءة 6 دقائق

أونا شابلن هي الحب الكبير في حياة الممثل الأمريكي الكوميدي الراحل شارلي شابلن، وكانت بمثابة الحلقة الناقصة في تاريخ السينما، إذ جرت على مدى سنوات طويلة أبحاث عدة توزعت بين الولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا للوصول إلى الأرشيفات الخاصة المتعلقة بالعائلة، والكشف عن تلك الحلقة المهمة في حياة فنان شهير ترك بصماته في السينما الأمريكية والعالمية.

أونا هو الشكل الأصلي لكلمة (una) اللاتينية التي تعني المتفردة أو الفريدة، وأيضاً هو الاسم الرائع الذي يتباهى به أبوها الكاتب المسرحي الأمريكي أوجين أونيل الذي نال جائزة نوبل في الأدب لإدخاله في المسرح الأمريكي واقعية دراماتيكية.

ولدت أونا في 1925 وما إن بلغت الثامنة عشرة حتى تزوجت من شارلي شابلن الذي كان عمره حينها 54 سنة. ولم يقبل أوجين أونيل بهذا الزواج وقرر ألا يرى ابنته إن وافقت على هذا القران، لكن ذلك لم يغيّر شيئاً من علاقتهما كأب وابنة، فالمعروف أنه تركها وهي صغيرة ولم يتجاوز عمرها السنتين، مع والدتها وأخيها الصغير، ليعيش قصة حب غير عادية مع إحدى الممثلات الشهيرات آنذاك، وهكذا نشأت أونا وأخوها شان تحت جناح أمهما آنييس بولتون.

كانت أونا فتاة ذات جمال مميز، ففي سن السابعة عشرة أقامت علاقة عاطفية مع الروائي الأمريكي ترومان كابوت، ثم مع الكاتب الأمريكي جيروم سالينجر صاحب الرواية الشهيرة الحارس في حقل الشوفان التي غدت في 1951 جزءاً أساسياً من مناهج المدارس الثانوية والجامعية في أمريكا وفي البلاد الناطقة بالإنجليزية.

وفي 1942 اختيرت أونا من قبل ستورك كلوب وهو نادٍ ليلي مشهور كفتاة غلاف مميزة لمجلته، سمحت لها المجلة آنذاك بإجراء مقابلة صحافية مباشرة بعد منحها لقب فتاة الإغراء الأولى لمعرفة رأيها ولسؤالها عن أبيها ورأيه في هذا اللقب، فقالت لا أدري ولن أسأله عن رأيه بل سيكتشف وحده هذا الأمر.

وسألها صحافي آخر عن رأيها في الحرب فأجابت بكل جرأة سيكون معيباً أن أقول رأيي في أمر كهذا وأنا أجلس في نادٍ ليلي مستريحة وغيري يعاني ويلات الحرب.

ويبدو أن صور أونا بعد هذه المقابلة على صفحات المجلات كانت كثيرة جداً خاصة أنها كانت صوراً تميل إلى الإغراء، الأمر الذي جعل أباها يكتب لمحاميه هاري وينبرجر ليقاضيها لأنها أساءت إلى سمعته ككاتب مشهور، بل لطخت تاريخ العائلة. وختم أونيل رسالته بالقول عنها يبدو أنها نسخة مطابقة روحاً وجسداً عن عائلة بولتون التي تنتمي إليها والدتها.

ولم يتورع الأب عن وصف ابنته بأبشع الألفاظ وقال أعتقد أن هوليوود هو آخر مطافها علماً بأنها لم تبد أي موهبة كممثلة، لكن إذا حدث ذلك، فسيكون رغماً عني ولن أقبل أبداً أن تكون فتاة مثل أونا ابنة لي.

وعانت أونا كثيراً من هذا الرفض الأبوي القاسي، حسب رأيها، ولذا لم تكن تحلم بشيء آخر إلا أن تصبح ممثلة، وبدأت في المسرح ثم عبرت منه إلى هوليوود. وفي هذا العالم لفتت أونا انتباه المخرج والمؤلف والممثل الأمريكي الشهير أورسون ويلز الذي أصبح بمثابة المرشد الروحي لها. ولكن هل كان ثمة ما يجمعهما بهذا الشكل؟

هذا ما ستفصح عنه الأيام التالية التي أظهرت عن شخصية كارزمية اسمها شارلي شابلن.

اللقاء الأول الذي جمع شابلن وأونا كان من ترتيب المنتجة مينا والاس من أجل مشروع فيلم بعنوان (shadow and subst amce).

جمعت والاس بين ثلاثة أشخاص لتناول العشاء في أحد المطاعم الشهيرة وهم أونا أونيل والممثل تيم ديورانت وشارلي شابلن. وعلى وجه السرعة لاحظ شابلن أن أونا صغيرة جداً على الدور الذي يتطلب، حسب رأيه، ممثلة متمرسة وكبيرة بعض الشيء في السن لأنه دور معقد. وهكذا رأى شابلن أن الدور لا يناسب الشابة أونا.

أما عن أونا فكانت غارقة في أمر آخر، إذ اكتشفت في تلك الأمسية أن شارلي يحب أن ينادى بشارلي ويكره أن يناديه أحد بالسيد، كما أعجبتها أشياء كثيرة فيه، خاصة طريقته السلسة في الحديث وضحكته التي لا تتوقف.

كان ذلك اللقاء بمثابة وهج الوهلة الأولى، فمنذ النظرة الأولى، علمت أونا أنا ستقع في حب شابلن. وهنا تقول ابنته فكتوريا شابلن عن هذا اللقاء سحر والدي أونا بطريقة فائقة الرومانسية ولذا منحته كل ما كان يبحث عنه لدى المرأة، خاصة أنه كان طلق ثلاث مرات قبل أن يلتقي بها ولذا انتظر ليبلغ عمرها الثامنة عشرة ليعقد قرانه عليها في 16 يونيو/ حزيران 1943.

استأجر العروسان كوخاً جميلاً في سانتا باربارا لشهرين كاملين، فقد عزما على أن يكون شهر عسلهما شهرين من الرومانسية. وعن ذلك يقول شابلن: على الرغم من تعليقات وسائل الإعلام حول علاقتنا الزوجية، كانت الأيام تمر مع أونا بسعادة وهدوء وسلام لأن الصحافيين كانوا لا يعلمون بالتحديد مكان اختباء العروسين، لكن ذلك كان لا يمنع أن نقفز بلهث نحو الباب لنرى من الزائر بمجرد أن يقرع جرس الكوخ. ويضيف: على الرغم من فارق السن الذي كان يبلغ 36 سنة كان زواجاً مفعماً بالحب والرومانسية، علماً بأن الصحافيين كانوا لا يصدقون أن حباً حقيقياً يجمع بين هذا الرجل الهرم وهذه الفتاة الشابة التي تنبض بالحيوية والجمال، ولذا رأت هوليوود في شابلن دون جوان الجديد إلى درجة أن المتحفظين من الأمريكيين رأوا في هذا الزواج نوعاً من الاستفزاز لا غير.

وعلى الرغم من شبابها وجمالها المميزين، كانت أونا تبدي في بعض الأحيان غيرة واضحة على شابلن وهو ما أكدته في كتابها الذي دوّنت فيه مذكراتها (بين القنافذ).

والواقع أن أونا قد تخلت عن مهنتها كممثلة وظلت تظهر إلى جانب شارلي شابلن في أغلب المناسبات وتحضر معه دروس السينما التي يلقيها على أصدقائه وكان يسحرها هذا الأمر في شخصيته.

في ،1949 نجح الممثل الشهير مارلون براندو في الوصول إلى إحدى الأمسيات التي ينظمها مخرج الأفلام الأمريكي الأسطوري سوسيل بلونت دوميل الذي اشتهر بأفلامه الصامتة بالتحديد وبأفلامه الناطقة فيما بعد. براندو لم يشأ حضور مثل هذه الأمسيات إلا من أجل لقاء شارلي شابلن شخصياً. وعندما وصل براندو إلى إحدى هذه الأمسيات شاهد شابلن يقف وحيداً في إحدى زوايا الصالة، فتقدم نحوه وقدّم له نفسه وشرع في إطراء ومدح أعماله السينمائية، لكن شابلن كان لا يعير مدح براندو كثيراً من الاهتمام، بل قال له أعلم، أعلم جيداً أن كل الناس بدءاً من أنيشتاين وحتى تشرشل، يقولون لي إنني عبقري، لكن هذه الخطابات والأقوال تزعجني كثيراً ولكن ماذا تعمل، هل أنت خادم في أحد المقاهي؟. فأجاب براندو: لا يا سيدي، فأنا الممثل مارلون براندو بطل الفيلم الشهير (ترامواي اسمه الرغبة) وهي مسرحية مشهورة لتينيس ويليامز.

وأجاب شابلن: لم أسمع عنك أبداً، فرد براندو: ولكنني سيدي ممثل مشهور في هوليوود وحلمي الكبير أن أنجز أحد الأفلام الطويلة معك، وقابلت من أجل ذلك الفتاة الرائعة بوليت جودودارد واعتذر عن ذكري لهذه السيدة أمامك فأنا أعلم أنكما لم تعدا مرتبطين كزوجين.

وأجاب شابلن: هذا شأني وقضاياي الخاصة، وكانت نبرته حادة ليقطع على براندو استرساله بالحديث، فرد شابلن مندهشاً: وعن أي عرض تتحدث؟ فأجاب براندو: عن مشروع عمل فيلم سوياً، فقال شابلن: اسمع يا سيد براندو، هذا الأمر لن يحدث أبداً.

عاش شابلن حياة ساطعة بكل تأكيد حصد فيها الشهرة، بأعلى درجاتها، لكن لاقى العديد من المحن على الصعيد المهني، إذ نفي إلى سويسرا لأنه كان يبدي تعاطفاً مع الشيوعيين وأفكارهم، ولم يسمح له بتمديد إقامته بالولايات المتحدة. وفي الفترة ما بين عامي 1944 1962 أنجبت له زوجته (أونا) ثمانية أولاد ولم تكد تمض بضع سنوات حتى أسلم الروح في 25 ديسمبر/ كانون الأول 1977. بعد وفاته عاشت أونا حياة حزينة بائسة لرحيل شابلن وكانت تتنقل بين سويسرا ونيويورك، ولم تستطع الخروج من عزلتها وحزنها فغرقت في تناول المشروبات الكحولية حتى الإدمان.

وتقول إحدى صديقاتها: لم تكن أونا تتخيل أنها يمكن أن تتزوج ثانية بعد رحيل شارلي، لأنها كانت معروفة أنها السيدة (الليدي شابلن) وبالتالي فإن أمر وقوعها ثانية بحب أحد الأشخاص وارتباطها به ثانية كان أمراً غير وارد أبداً.

وتضيف: ذات مساء خرجت أونا والكآبة قد نالت منها بشدة، وراحت تمشي على غير هدى بين شارع 42 وجادة البارك، حتى انتهى بها المطاف إلى مطعم أويستر بار حيث اعتادت أن تتناول طعام العشاء وحيدة وهي تشرب الفودكا ثم تترك المكان تاركة بضع دولارات للشحاذين.

وعلاوة على إدمانها الخمر، لم تعد أونا تمتلك الطاقة الكافية للاعتناء بأولادها، فابتعدت عنهم علماً بأنهم ناشدوها الانضمام إلى جمعيات مكافحة الإدمان التي كانت بدأت التردد عليها قبل أن تتراجع. وتقول ابنتها آني شابلن عنها: كنا نشعر بأنها لم تكن مسرورة بهذا الأمر وبرؤيتنا نشاهدها على هذا النحو من الإدمان، لكن للأسف كان ذلك غير صحيح، فبعد موتها عدنا إلى مذكراتها وقرأنا أنها كانت تشعر بالحزن عندما نتركها وحدها ولكن عندما نكون متواجدين معها، فإنها كانت تتمنى أن نرحل عنها وبمجرد أن نتوارى عن ناظريها، كانت تشعر أنها بحاجة لرؤيتنا.

بعد هذه الحياة المريرة الكئيبة، توفيت أونا شابلن في صبيحة يوم 27 سبتمبر/ أيلول 1991.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"