رضا محمد هلال
أدت العولمة في شقها الإعلامي والمعلوماتي إلى ثورة رقمية وميلاد عالم افتراضي، لا يقل أهمية عن العالم المادي بما فيه من أحداث ووقائع، وقد نجم عن ذلك انفجار معرفي تطلب وسيلة جديدة لتبادل المعلومات وتسهيل المعاملات فأصبح التعامل الإلكتروني نمطاً جديداً للحياة، لا تستطيع البشرية الاستغناء عنه، فضلاً عن كونه إنجازاً تقنياً باهراً، حيث إن الوضع الراهن كشف عن الاستخدام المتزايد لهذه التقنية عن طريق الشبكة العالمية المعروفة بالإنترنت، ما ترك أثراً واضحاً على جميع مناحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية وحتى الأمنية، مع الاستحداث الملحوظ لجملة من القيم والعلاقات والظواهر التي أصبح يرمز لها جميعاً باسم "الإلكتروني Electronic" متبوعاً بالحقل أو المجال الذي تنتمي له؛ فأصبح هناك: التعليم الإلكتروني (Electronic Education)، والتجارة الإلكترونية Electronic Commerce . . . وغيرها .
أدى هذا التطور إلى إيجاد فجوة عميقة لدى أغلب الدول بين هذا التطور التقني الحاصل لديها من جهة وبين التشريع المواكب له، فبرزت معه ظاهرة الجريمة الإلكترونية التي تتخذ من الحاسوب هدفاً لها أو وسيلة لتحقيق أهدافها أو كونه البيئة والوسط الأمثل لتنفيذ هذه الأعمال الإجرامية التي شكّلت تحدياً حقيقياً ومعضلة أمام العديد من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء . تتفق أغلبية الاتفاقيات العالمية والإقليمية والتشريعات والقوانين الوطنية على أن هناك أربعة أنواع من هذه الجرائم هي: الجرائم التي تمس سرية وأمن وسلامة وتوفير بيانات الحاسب ومنظوماته وتضم (الدخول غير المشروع - والاعتراض غير المشروع - والتدخل في البيانات - والتدخل غير المشروع في المنظومة - وإساءة استخدام الأجهزة)، والجرائم المتصلة بالحاسب الآلي وتضم (جريمة التزوير المتعلقة بالحاسب - وجريمة التدليس المتعلقة بالحاسب)، والجرائم المتصلة بالمواد الإباحية للأطفال (الإنتاج أو النشر غير المشروع للمواد الإباحية وصور الأطفال الفاضحة)، والجرائم المتصلة بالاعتداءات الواقعة على الملكية الفكرية والحقوق المرتبطة بها (الطبع والنشر) .
وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصاءات دقيقة وموثوق بها عن حجم جرائم الحاسب والخسارة الاقتصادية لضحايا هذا النوع من الجرائم في العالم كله، ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها أن العديد من هذه الجرائم لم تكتشف من قبل الضحايا، وكثير من هذه الجرائم لا يبلّغ عنها إلى السلطات الحكومية، وفي كثير من الأحيان يصعب حساب الخسائر الناتجة من جرائم الحاسوب بسبب الفضاء الواسع للشبكات والإنترنت وعوامل أخرى تصعب معها عملية تقدير هذه الخسائر . ومع ذلك تشير التقارير التي تنشرها الشركات المتخصصة في نظم الحماية الإلكترونية ومنها شركة "نورتن" التابعة لسيمانتيك التي أجرت دراسة إحصائية لسلوك الفيروسات في 42 دولة في عام 2011 كشفت فيها أن شخصين، على أقل تقدير، من القاطنين بالدولة يقعون ضحية أنشطة الجريمة الإلكترونية في الدقيقة الواحدة بفعل الفيروسات ورسائل التحايل الإلكترونية وهجمات تصيّد المعلومات السرية والمصرفية وغيرها، أي أكثر من 4 .1 مليون مستخدم في دولة واحدة لايزيد عدد سكانها عن 8 ملايين نسمة يتعرضون لهجمات إلكترونية يومياً تخلف خسائر اقتصادية قيمتها 209 ملايين دولار سنوياً ناتجة عن الهجمات ومتطلبات إصلاح الأضرار المترتبة عليها، فيما تبلغ قيمة هذه الخسائر 32 مليار دولار في الولايات المتحدة .
وفي ذات التقديرات نوهت شركة "مكافي العالمية" المتخصصة في تصميم نظم الحماية الإلكترونية في نهاية عام 2013 إلى أن الخسائر العالمية المادية السنوية التي تتسبب بها جرائم القرصنة الإلكترونية وصلت إلى تريليون دولار سنوياً، وأن الأضرار التي يتسبب بها قراصنة الإنترنت حول العالم لا تتعلق فقط بالخسائر الاقتصادية للدول بل هناك العديد من التهديدات الأخرى التي تنتج عنهم منها سرقتهم نحو 3 تيرابايت من المعلومات المهمة والسرية التي تتعلق بالحكومات حول العالم، وتعتبر أهم بكثير من الخسائر المادية العادية . وقيام سلطات الأمن في كل من كوريا وألمانيا بالإعلان عن القبض على قراصنة قاموا بالاستيلاء على بيانات ومعلومات 20 مليون بطاقة ائتمانية في كوريا وعلى 17 مليون بريد إلكتروني في ألمانيا .
ووفقاً لتقديرات أول تقرير مشترك ما بين "مكتب الأمن الإلكتروني وسلامة المعلومات" التابع للحكومة البريطانية وشركة "ديتيكا" المتخصصة في مجال الاستخبارات المعلوماتية- وصلت التكلفة الإجمالية التي تحملها الاقتصاد البريطاني بسبب الجرائم الإلكترونية في عام 2009 إلى 27 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وتنقسم هذه التكلفة إلى 21 مليار جنيه إسترليني للشركات، و2 .2 مليار دولار للحكومة، و3 .1 مليار جنيه إسترليني للمواطنين . وتشمل نسبة 8 في المئة التي تتحملها الحكومة النصب في الضرائب والإعانات المالية، أما نسبة 12 في المئة التي يتحملها المواطنون العاديون فتتركز في الأساس حول سرقة الهويات وعمليات الغش على الإنترنت، في حين تعاني الشركات البريطانية مستويات أعلى من سرقة الهويات والتجسس التجاري .

التشريعات كآلية للحد من هذه الجرائم

حرص مجلس الاتحاد الأوروبي على التصدي للاستخدام غير المشروع للحاسبات وشبكات المعلومات بإصدار العديد من التوصيات والتوجيهات الملزمة والتي تمثل الحد الأدنى الذي يتعين على دول الاتحاد الالتزام به عند سن تشريعاتها في هذا الخصوص، وقد تجلى هذا الحرص بشكل ملموس بإبرام الاتفاقية الأوروبية لجرائم الحاسب الآلي والإنترنت المسماة باتفاقية بودابست بشأن الإجرام الكوني (Cyber crime)، الموقعة في 23-11-2001؛ التي تشتمل على خمسة عناوين: الأربعة الأول تناولت أربعة أنواع من الجرائم هي: الجرائم التي تمس سرية وأمن وسلامة وتوفير بيانات الحاسب ومنظوماته، والجرائم المتصلة بالحاسب الآلي، والجرائم المتصلة بالمواد الإباحية للأطفال، والجرائم المتصلة بالاعتداءات الواقعة على الملكية الفكرية والحقوق المرتبطة بها (الطبع والنشر)؛ والعنوان الخامس خصص للمسؤولية وللجزاءات، وهو يشتمل على بنود إضافية بشأن الشروع والاشتراك، وأيضاً الجزاءات أو التدابير وذلك طبقاً للاتفاقيات أو المعايير الدولية الحديثة بالنسبة لمسؤولية الأشخاص المعنوية .
وعلى مستوى مكافحة الجرائم من الناحية الشرطية، تم إنشاء إدارة خاصة كما في فرنسا وكندا ومصر والإمارات وتونس وقطر والمغرب، وتخصص عدد من رجال المباحث الجنائية في جرائم الحاسب الآلي، وكذلك أنشئت أجهزة مركزية لمتابعة هذا النوع من الجرائم في الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان وإسبانيا، علاوة على قيام دول مثل فرنسا وألمانيا والبرازيل بإعداد مكتب مركزي لمكافحة الجرائم المرتبطة بالمعلومات والاتصالات في وزارة الداخلية يضم في تشكيله أفراداً متخصصين للعمل كمأمورين للضبط القضائي الذين يقومون بالتفتيش وضبط المستندات الإلكترونية المقلدة .
وقد استجابت بعض الدول للدعوة بأن وجهت سياستها التشريعية نحو مواجهة الجرائم الناشئة عن الاستخدام غير المشروع للحاسب الآلي والإنترنت، وذلك بمحاولة سن تشريعات جديدة أو تطوير التشريعات القائمة بتعديل بعض نصوصها بما يواكب التطور التقني ويتلاءم مع الطبيعة الخاصة للجريمة الإلكترونية، فكانت البداية محاولة مشرِّعي بعض الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة في التدخل لوضع ضوابط لاستخدام الإنترنت ووضع القواعد المنظمة لمباشرة خدماته، سواء ما يتعلق بواجبات القائم بهذه الخدمات أو ما يتعلق بحقوقه .
وعرفت دول أخرى هذا النوع من القوانين مثل ألمانيا منذ عام ،1986 والنمسا والنرويج واليابان منذ عام ،1987 واليونان منذ ،1988 الدنمارك، ولكسمبورغ وإيطاليا منذ ،1993 وسويسرا منذ ،1994 وإسبانيا وكندا والدنمارك وفنلندا منذ عام 1995 .
أما في الدول العربية؛ فقد قامت كل من: الجزائر وتونس ومصر والإمارات والسعودية وسلطنة عمان والأردن والبحرين وقطر وسوريا خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2012 بوضع تشريعات خاصة بالتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت والحاسب الآلي والجرائم المرتبطة بها . وقد جاء هذا التوجه المحمود لدى الدول العربية بعد نجاحها في عام 2010 في إبرام وإقرار الاتفاقية العربية الخاصة بالجرائم الإلكترونية التي تعد تطويراً لقرار صادر عن مجلس وزراء العدل العرب ومجلس وزراء الداخلية العرب بجامعة الدول العربية بشأن مشروع قانون عربي استرشادي لمكافحة جرائم تقنية أنظمة المعلومات وما في حكمها، يتكون من 27 مادة وضع من خلالها القواعد الأساسية التي يتعين على التشريعات العربية الاستعانة به عند وضع قانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية، كما تسعى الدول العربية إلى إنشاء منظمة عربية تهتم بالتنسيق في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية والتشجيع على قيام اتحادات عربية تهتم بالتصدي لتلك الجرائم، وتفعيل دور المنظمات والإدارات والحكومات العربية في مواجهتها عن طريق نظام الأمن الوقائي .

مستقبل الجرائم الإلكترونية

على الرغم من اتجاه العديد من الدول لوضع التشريعات الجنائية لمواجهة الجرائم الإلكترونية وإجراء تعديلات في القواعد الإجرائية بتطوير أساليب كشف وضبط هذه الجرائم بما يحقق متطلبات العدالة الجنائية، وحتى لا تكون القواعد الإجرائية عائقاً أمام سلطات التحقيق في كشف وملاحقة مرتكبي الجرائم في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، فإن الدراسات والبحوث المتخصصة تشير إلى استمرارية الظاهرة لعدة اعتبارات، منها: صعوبة الحصول على الأدلة نتيجة إخفاء الأدلة أو غياب الأدلة أو إعاقة الوصول للأدلة، إضافة إلى نقص المعرفة التقنية الحديثة والمتجددة لدى القائمين بالبحث والتحقيق في هذه الجرائم ما يجعلهم غير قادرين على أداء واجبهم على الوجه المطلوب، وشح الإمكانات التقنية والفقر الشديد للأجهزة التقنية المتطورة في متابعة الجرائم الإلكترونية، علاوة على تحفظ بعض الدول في التعاون الفني والتقني والمعلوماتي الدولي خوفاً من اختراق الآخرين لأمنها المعلوماتي القومي خاصة بعد كشف تجسس الولايات المتحدة على عدد من دول العالم من بينها بعض حلفائها وأصدقائها مثل فرنسا وألمانيا والبرازيل خاصة بعد كشف إدوارد سنودين الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية عن وجود برامج تستخدمها للتجسس- ومنها برنامج (PRISM) - على شبكة الإنترنت وعلى هيئات ومنظمات دولية وشخصيات مهمة حول العالم، يضاف لما سبق صعوبة اختراق شبكات الجريمة الإلكترونية المنظمة على المستوى العالمي التي تعمل بنظام الخلايا العنقودية التي تجمعها الأهداف الإلكترونية المشتركة بغض النظر عن هوية أعضائها .
وفي النهاية؛ يبدو أننا في خضم حرب معلومات إلكترونية طويلة المدى لا تفرق بين دول متقدمة وأخرى نامية، قوامها تحالفات سياسية واقتصادية خاصة وعامة بهدف تحقيق مكاسب مادية تتعدى مليارات الدولارات، وأخرى معنوية ترمى لكبح طموحات ورغبات القوى الصاعدة عالمياً أو إطاحة سمعة أو أحد مصادر قوة القطب الأوحد عالمياً .

* باحث وأكاديمي مصري