سؤال: سيدي تحدثتم لنا عن مطاعن الاستشراق في الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً وفكراً، حبذا لو تناولنا مسألة من المسائل التي يتضح فيها الدور المغرض للاستشراق بشيء من التفصيل، ولتكن مسألة السامية واللغة العربية .

الأستاذ: في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ابتكر شلوسر مصطلح السامية، واعتمد في هذه التسمية على نص من التوراة، وكانت الصهيونية من وراء هذه الفكرة، ومن ثم فقد اتسع نطاق هذه المقولة الزائفة، وأقام عليها الكتاب الموالون للصهيونية والاستعمار ما أطلق عليه اسم: علم الأجناس .

ولغياب الفكر الإسلامي في هذه المرحلة فقد اتسع نطاق الفكرة الإسرائيلية، وسيطرت على مناهج الجامعات ودراسات الثقافة جميعاً، وفي كليات الآداب بالبلاد العربية تقررت دراسات اللغات السامية وقام على هذه الدراسات مستشرقون يهود، في مقدمتهم يوسف شاخت وإسرائيل ولفنسون، اللذان أخذا يخدعان الشباب المسلمين والعرب بقولهم: إن العربية ليست سوى عبرية مقلوبة، وإن العرب إنما اتخذوا اسمهم من (عربة) للصلة بين العرب واليهود من ناحية، ولإعطاء اليهود مكاناً زائفاً في مجال الآداب والعلوم .

سؤال: هل لكم سيدي أن تشرحوا لنا المقصود من مصطلح السامية؟ فما أخشاه أن نكون جميعاً نحمل فكرة السامية ولا نعرف حجم التزوير الذي فيها؟

الأستاذ: فكرة السامية تدور حول القول إن هناك أصلاً واحداً مشتركاً للعرب واليهود، وحول إعطاء العربية أثراً ومكانة غير صحيحة في حضارات الشرق القديم .

لقد كانت الصهيونية وراء هذه الفكرة في محاولة لإعطاء اليهود فضلاً زائفاً في مجالات كثيرة، ومن ذلك القول إن اليهود هم الذين وضعوا شريعة حمورابي، إبان نفيهم في بابل . بينما وثائق التاريخ تكذب ذلك، وتثبت أن اليهود إبان النفي كانوا يبحثون في حضارات الأمم عن خيوط يضمونها إلى نسيجهم المهلهل ليتمكنوا من القول إن لهم فلسفة معينة، وقد كانت فلسفتهم ومنهجهم الفكري فيما بعد جماع الفلسفة البابلية القديمة والهلينية والمدرسة الأفلاطونية المحدثة وبقايا المجوسية والغنوصية والشرقية، وذلك بعد أن فقدوا أصلهم الأصيل وهو: توراة موسى عليه الصلاة والسلام، كذلك فقد كان هدف هذه المحاولات القول إن اليهود والعرب أبناء عمومة تربطهم أواصر الرحم والقربى، وتاريخ اليهود بعد الإسلام في المدينة يكشف عن طبيعة هذه الرحم والقربى في مؤامراتهم وغدرهم .

ولقد حاول دوزي ومرجليوت ادعاء هذه الصلات واختلاق تشابه بين قبائل قريش وأسباط اليهود والقول إن موطن اليهود هو بلاد اليمن، اعتماداً على ألفاظ ملتقطة من لغة سبأ البائدة، تشبه ألفاظاً عبرية .

ولقد اتسع نطاق هذه الكتابات في الفكر الغربي في تلك الفترة المبكرة، تمهيداً للفكرة الصهيونية، لكن بعض العلماء الغربيين لم تخدعهم هذه التلفيقات فكشفوا زيفها، أمثال جوستاف لوبون الذي قال: لا جرم أن الشبه قليل بين العربي أيام حضارته، واليهودي الذي عرف منذ قرون بالنفاق والبخل والجبن، وأن من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي، ولا ننسى أن طرق الحياة الخاصة التي خضع اليهود لحكمها منذ قرون كثيرة هي التي أنشأت فيهم عرفاً ذليلاً غير محترم.