خالد البناي وجه مسرحي معروف في الإمارات، وواحد من الأكاديميين القليلين الذين تخصصوا في مجال المسرح، فهو خريج المعهد العالي في الكويت، وحاصل على ماجستير في المسرح من جامعة الخرطوم في موضوع المسرح المدرسي، وعمل في الكثير من العروض المسرحية، وأخرج العديد من المسرحيات المحلية من بينها ليلة زفاف للكاتب الراحل سالم الحتاوي، وشارك في الدراما التلفزيونية المحلية .
شهد البناي البدايات التأسيسية للمسرح الحديث، وشارك فيها مع الشباب والطلاب الذين كانوا مفعمين بحب المسرح، ومهمومين بإشاعة وعي قادر على الإسهام في تنمية الدولة الناشئة، وارتباطه بالمسرح ممارسة ودراسة، ووظيفة جعله قادراً على تشخيص واقع هذا الفن في الإمارات، وتقديم رؤية مستقبلية ناجعة لتطوير المسرح .
كيف ترى راهن المسرح في الإمارات؟
الحركة المسرحية اليوم أصبحت مرتبطة بشكل كلي بالمهرجانات التي ترعاها المؤسسات الرسمية، مثل مهرجان أيام الشارقة الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ومهرجان الشباب الذي تنظمه هيئة دبي للثقافة والفنون، ومهرجان الإمارات للطفل الذي تنظمه جمعية المسرحيين الإماراتيين، وخارج هذه المهرجانات يكاد يكون النشاط المسرحي معدوماً، ورغم ما تقدمه المؤسسات الرسمية من تحفيز وتنشيط للحركة المسرحية، فإن الاعتماد كلياً على المهرجان ليس أمراً صحياً في عالم المسرح، لأنه ينبغي أن يكون هناك نشاط مسرحي مستمر، وغير مرتبط بأية مناسبة أو تنظيم رسمي .
لقد نشأ المسرح الإماراتي وتطور على هذا المبدأ، فكان رواده عشّاقاً له، يطبع عملهم الحب والتفاني لقناعتهم بأنهم يؤدون رسالة ثقافية، وواجباً تجاه المجتمع، وكانوا مستعدين لأن يقوموا بأي شيء في سبيل ذلك، حتى ولو كان أعمالاً يدوية، كنقل الأدوات وأثاث الديكور، وتأثيث المسرح، ومد الأسلاك وتركيب المصابيح، فضلاً عن الأعمال الفنية الأخرى، وتمثيل أكثر من دور، وغير ذلك، حيث كان الاستعداد وروح الفريق هو السمة الغالبة، ولم يكن حساب الوقت ولا المردود وارداً في هذا الصدد، وكمثال على ذلك من تجربتي الشخصية أذكر أننا عندما قدمنا مسرحية سبع ليال وليلتان وليلة في مسرح رأس الخيمة، وكان يسمى مسرح صقر الرشود، لم تكن لدينا القدرات المادية للترويج لها، فقمنا بأنفسنا بوضع الملصقات الإعلانية في طرق المدينة وأحيائها سيراً على الأقدام، كما كنا نأتي بلوازم العروض من فُرُش وطاولات وكراسي من بيوتنا .
كيف تخلى المسرحي عن هذا الحب؟
السبب الأول هو غياب التأسيس المدرسي الذي يبذر الطفل من الصغر حب المسرح، وكذلك فإن الفنان المسرحي اليوم أصبح منجذباً إلى الدراما التلفزيونية نظراً لمردودها المادي المرتفع مقارنة بمردود العمل المسرحي، فالدعم الذي يحصل عليه قطاع المسرح عندنا ضئيل، ولا يتعدى مخصصات التسيير الإداري للفرق، أو مخصصات المهرجانات التي هي موسمية، ولا يمكن للفنان الاعتماد على مردودها في حياته، كما أن المسرح عمل تراكمي، لا يمكن أن يكون له تأثير وحضور فاعل في حياة المجتمع ما لم يكن عملاً متواصلاً بشكل يومي أو أسبوعي، وارتباط المسرح عندنا بمواسم محددة، يجعله غير قادر على التأثير في المجتمع لصناعة الوعي المطلوب .
كيف يمكن استعادة هذا العشق الذي قلت إنه هو الأساس في علاقة الفنان المسرحي بعمله؟
لابد من تضافر الجهود لكي يحدث ذلك، وإذا ما نظرنا إلى الوراء قليلاً، سوف نجد أن الجيل المؤسس عشق المسرح مع بداية قيام دولة الاتحاد، ومجيء المعلمين العرب الذين أنشأوا مسارح داخل المدارس، وكوّنوا فرقاً، ومن المدارس انتقل الأمر إلى فرق الكشافة التي صارت تقدم حفلات مسرحية في مناسبات وطنية وأعياد، ومن الكشافة انتقلنا إلى الأندية الرياضية التي تبنت المسرح، وأصبحت تقدم عروضاً مسرحية، ومن هذه التنظيمات الثلاثة نشأت جماهيرية المسرح، وانتشر الوعي به .
من هنا فإن المنطلق الأول في استعادة روح المسرح هو إعادة الاعتبار لجد الفنون المسرح المدرسي، أقول جد الفنون لأن المسرح نشأ في حضن المدرسة منذ سوفوكليس وسقراط، وفي الوطن العربي، وقبل مارون النقاش كانت المدارس المسيحية في لبنان تقدم عروضاً مسرحية، وفي المدرسة لا يتعلق الأمر بالطالب وحده، بل بأسرته أيضاً .
لكنّ صناعة المسرح ليست وظيفة مدرسية؟
هذا صحيح، إلا أن المدرسة هي التي تهيئ وتؤهل المجتمع لصناعة مسرح، نحن في المدرسة لا نخرج ممثلين ولا مخرجين، لكننا نصنع وعياً بقيمة المسرح، وبرسالته الثقافية الاجتماعية، وزيادة على ذلك فإننا نبذر بذور الشخصية القوية التي تؤمن بوطنها وقيم مجتمعها الأخلاقية والروحية، وتؤمن بالمشاركة والعمل الجماعي، ونبذر أيضاً أسس الفصاحة والاعتداد باللغة العربية، وفوق ذلك فإننا نصنع جمهوراً مسرحياً مستعداً لمشاهدة العروض المسرحية ومقتنعاً بجدواها، إذا عدنا إلى التاريخ القريب، فسوف نجد أن كل القيادات المتميزة في الإمارات من وزراء وسفراء وموظفين، قد مروا بخشبة المسرح المدرسي، وهذا موثق، وفي رسالتي للماجستير دونت الكثير من تلك الأسماء، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة .
لا بد من وضع خطة تشارك فيها جميع الأطراف المعنية بالمسرح، فيمكن الاعتماد مثلاً على دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة لتوفير الكادر المتخصص في مجال المسرح، وعلى الهيئات المالية في الدعم، ثم وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في تبني العروض وتقديمها في إمارات الدولة كافة، وفي المهرجانات العربية المعنية بالمسرح المدرسي، مثل مهرجان أصيلة في المغرب، وأنا واثق من أنه إذا وجد مثل هذا التنسيق فإنه سيكون لدينا جمهور مسرحي عريض مستعد لمشاهدة العروض المسرحية، وسيختلف الوضع كلية، عما هو عليه الآن .