وردت أحاديث كثيرة،‮ ‬تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم - ويا سعادة من دعا لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن هؤلاء عبد الله ذو البجادين الذي‮ ‬دعا له النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- بعدما دفنه بنفسه قائلاً‮: ‬اللهم إني‮ ‬لأمسيت عنه راضيا فارضَ عنه‮.‬

يقول عنه أبو عمر‮ ‬يوسف القرطبي‮ ‬في‮ «‬الاستيعاب في‮ ‬معرفة الأصحاب‮» ‬وابن الأثير في‮ ‬«أسد الغابة‮»، ‬هو عبد الله بن عبد نهم،‮ ‬سمي‮ ‬بذي البجادين، لأنه حين أراد المسير إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أعطته أمه بجاداً لها ‬(وهو كساء شقه باثنين،‮ ‬فأتزر بواحد منهما،‮ ‬وارتدى الآخر). وقال ابن هشام‮: ‬«إنما سمي‮ ‬بذي البجادين ،لأنه كان‮ ‬ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في‮ ‬بجاد له ليس عليه‮ ‬غيره،‮ ‬والبجاد الكساء الغليظ الجافي،‮ ‬فهرب منهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،‮ ‬فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فأتزر بواحد واشتمل بالآخر‮.‬ ثم أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقيل له ذو البجادين لذلك‮.‬ وكانت أمه قد سلطت عليه قومه فجردوه طمعا منها أن‮ ‬يبقى معها ولا‮ ‬يهاجر‮.‬ ومات في‮ ‬عصر النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮.

«إنه أواه»

‬وعن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي‮ ‬قال‮: «‬كان رجل من مزينة ممن كان في‮ ‬نواحي‮ ‬المدينة في‮ ‬حجر عم له ‬ينفق عليه ويكفه، فأراد الإسلام فقال له عمه،‮ ‬لئن أسلمت لأنتزعن منك كل شيء صنعت إليك فأبى إلا أن‮ ‬يسلم فانتزع منه كل شيء صنعه به حتى إزار ورداء كان عليه فانطلق إلى أمه مجرداً فقامت إلى بجاد لها من شعر أو صوف فقطعته اثنين فأتزر بأحدهما وارتدى الآخر ثم أتى النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- فصلى معه الصبح، ‬وكان الرسول إذا صلى الصبح تفقد الناس ونظر في‮ ‬وجوههم فرآه‮. ‬فقال‮: «‬من أنت؟» قال‮: ‬أنا عبد العزى وكان اسمه‮.‬ قال‮: ‬فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم‮: ‬بل أنت عبد الله ذو البجادين إلزمنا وكن معنا فكان‮ ‬يكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي‮ ‬حجره قال‮: ‬فكان إذا قام‮ ‬يصلي‮ ‬من الليل جهر بالدعاء والاستغفار والتمجيد فقال عمر بن الخطاب‮: ‬يا رسول الله أمراء هو؟ قال‮: ‬دعه فإنه أحد الأواهين قال‮: ‬فلما كان في‮ ‬غزوة تبوك خرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمات فقال ابن مسعود‮: ‬إذا بنار ليلا من ناحية المعسكر فقلت‮: ‬ما هذا؟ فانطلقت فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وأبو بكر وعمر ما معهم رابع قال‮: ‬فإذا ذو البجادين قد مات ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في‮ ‬القبر في‮ ‬مكان دفنه وهو‮ ‬يقول‮: «‬دليا إلي‮ ‬أخاكما» (أي‮ ‬أنزلاه) قال‮: ‬فأضجعه الرسول بشقه ثم قال‮: ‬«اللهم إني‮ ‬أمسيت عنه راضيا فارض عنه اللهم إني‮ ‬أمسيت عنه راضيا فارض عنه،‮ ‬اللهم إني‮ ‬لأمسيت عنه راضيا فارض عنه‮» ‬قال‮: ‬فقال ابن مسعود‮: ‬فيا ليتني‮ ‬كنت مكانه في‮ ‬حفرته‮.‬ وأخرج الطبراني‮ ‬وابن مردويه عن عقبة بن عامر (رضي‮ ‬الله عنه) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل‮ ‬يقال له ذو البجادين‮: ‬إنه أواه وذلك أنه كان‮ ‬يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس (رضي‮ ‬الله عنهما) أن النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم -أدخل ميتاً القبر وقال‮: ‬رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن ،والأواه هو الخاشع المتضرع‮.‬وعن ابن الأدرع قال‮: ‬كنت أحرس النبي‮ -‬صلى الله عليه وسلم -ذات ليلة،‮ ‬فخرج لبعض حاجته،‮ ‬قال‮: ‬فرآني،‮ ‬فأخذ بيدي،‮ ‬فانطلقنا فمررنا على رجل‮ ‬يصلي‮ ‬يجهر بالقرآن،‮ ‬فقلت‮: ‬عسى أن‮ ‬يكون مرائيا،‮ ‬فقال النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم-‮: «‬كلا إنه أواب‮» ‬قال‮: ‬فنظرت،‮ ‬فإذا هو عبد الله ذو البجادين‮.‬

مقبرة البقيع

وجاء في‮ ‬تاريخ المدينة لابن شبة لما توفي‮ ‬إبراهيم ابن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر أن‮ ‬يدفن عند عثمان بن مظعون،‮ ‬فرغب الناس في‮ ‬البقيع،‮ ‬وقطعوا الشجر،‮ ‬واختارت كل قبيلة ناحية فمن هناك عرفت كل قبيلة مقابرها وكان ابن خديجة في‮ ‬حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمه،‮ ‬فلما توفي‮ ‬حفر له على قارعة الطريق التي‮ ‬بين زقاق عبد الدار التي‮ ‬باب دارهم فيها،‮ ‬وبين بقيع الغرقد الذي‮ ‬يتدافن فيه بنو هاشم،‮ ‬وكفنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،‮ ‬ونزل في‮ ‬قبره ولم‮ ‬ينزل في‮ ‬قبر أحد قط إلا في‮ ‬خمسة قبور،‮ ‬منها قبور ثلاث نسوة،‮ ‬وقبرا رجلين،‮ ‬منها قبر بمكة،‮ ‬وأربعة بالمدينة‮: ‬قبر خديجة زوجته،‮ ‬وقبر عبد الله المزني‮ ‬الذي‮ ‬يقال له‮: ‬عبد الله ذو البجادين،‮ ‬وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي‮ ‬بكر،‮ ‬وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي‮.‬فأما ذو البجادين،‮ ‬فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أقبل مهاجرا إلى المدينة وسلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت،‮ ‬فأبصره ذو البجادين فقال لأبيه‮: ‬دعني‮ ‬أدلهم على الطريق،‮ ‬فأبى،‮ ‬ونزع ثيابه فتركه عريانا،‮ ‬فاتخذ عبد الله بجادا من شعر فطرحه على عورته،‮ ‬ثم عدا نحوهم فأخذ بزمام راحلة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.‬

لقد تمنى عبد الله بن مسعود وهو من هو أن‮ ‬يكون مكان ذي‮ ‬البجادين لينعم بدعاء النبي‮-‬صلى الله عليه وسلم -ولكي‮ ‬يدفن ويكفن بيد النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم - فرضي‮ ‬الله عنهم أجمعين‮.‬