أبوظبي - نجاة الفارس:

تواصل الأديبة الإماراتية سارة الجروان رحلتها مع الإبداع بجدية ومسؤولية وطموح عال، تم تكريمها مؤخراً في ملتقى السرد الخليجي الثالث كصاحبة أول رواية إماراتية نسائية، وهي من المجندات الأوائل اللائي أسسن مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية، حقق كتابها الأول من ثلاثية طروس إلى مولاي السلطان «الحدال» نقلة نوعية في مسيرتها الأدبية فقد حظي هذا العمل باهتمام كبير من النقاد والقراء معا على صعيد الوطن العربي وتعتبره سفراً وملحمة لوطنها الإمارات، كما تم تكريمها بجائزة العويس للدراسات والابتكار عن روايتها «العذراء والولي والساحر» وقد شاركت في العديد من المهرجانات الأدبية عربياً وعالمياً، فيما يلي حوار مع سارة الجروان حول مسيرتها الإبداعية.

} تم تكريمك مؤخراً في ملتقى السرد الخليجي الثالث كصاحبة أول رواية إماراتية نسائية، ما هو شعورك؟
- تكريم المبدع هو احتفاء بأدبه وتقدير لشخصه ومكانته الأدبية والثقافية، وعرفانا بعطاءاته في الساحة الإبداعية، لا سيما إذا كان هذا التكريم ينطلق بترشيح من الوطن، فيكون عندئذ بمثابة اللمسة الدافئة التي تهمس له بحب للمضي في مشروعه الأدبي الكبير حيث يقترن نجاحه باسم الوطن ومجتمعه الكبير.

} تعتبرين من المجندات الأوائل اللائي أسسن مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية، كيف وازنت بين التزام المجندة العسكري وتمرد المبدعة والأديبة في داخلك؟

- كتبت رواية «شجن» وهي باكورة الرواية الإماراتية، وبعض القصص القصيرة قبل التحاقي بالقوات المسلحة، والذي كان في بادئ الأمر تطوعاً، إثر اندلاع حرب الخليج العربي، وغزو الكويت الشقيقة، ولم تكن تجربتي الإبداعية قد نضجت بعد، وما كان ذلك الأمر ليشكل بالنسبة إليّ لبسا البتة، فقد كان جل اهتمامي حينذاك هو النجاح وإثبات الوجود في الحياة الجديدة التي اخترتها بملء إرادتي، على كل المحيطين بي والذين عارضوا التحاقي بالقوات المسلحة، بينما كان هاجس الوطن، هو دافعي إلى بذل كل نفيس للذود عن ترابه والأمل بتحرير الكويت الحبيبة، كان هذا هو دافعي، وكان أن عهد إلي بكتابة «يوميات مجندة» وهي يوميات أسبوعية كانت تصدر في زهرة الخليج على مدار عام ويزيد، كتبتها بصيغة أدبية وبروح هائمة في حب المعشوقة الإمارات، و عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الحقبة لا يسعني سوى أن أحمد الله تعالى وأدين للقوات المسلحة بحب وافتخار، فقد جعلتني الخدمة العسكرية أكثر عزما، ورسخت في بنيتي الجسدية والنفسية تحدياً كبيراً ملؤه أمل وعنفوان، وصبر وقوة و كفاح، وتخلقتُ كياناً متسامياً، وسيدة متسلحة بروح عدتها إيمان وعزيمتها فداء.

} كيف ترين مشهد الرواية الإماراتية في الوقت الحاضر؟

- لعل الطفرة التي شهدتها الساحة الأدبية في السنوات السبع الأخيرة، وذاك التهافت على كتابة جنس الرواية بالذات، يعد مؤشراً صحياً، فقد خمدت تلك النصوص الركيكة التي لم تتعد كونها كتابة تجريبية، أقرب إلى جنس الإنشاء المدرسي، برغم أنها لاقت تشجيعاً كبيراً، وحظيت بدوي سمج من بعض النقاد المأجورين، ودور النشر الربحية، ولكن سرعان ما تلاشت كسحابة صيف واهمة، فبرزت بعض الأعمال التي تستحق منا الإنصات لوقع تأسيسها لبعض الأقلام الشبابية الواعدة.

} ما هو العمل الأدبي الذي حقق نقلة نوعية في مسيرتك الأدبية ولماذا؟

- كل عمل أصدرته، كان له وقع خاص عندي، ولقي نجاحاً في حينه، استمر حتى هذه اللحظة، بيد أن صدور الكتاب الأول من ثلاثية طروس إلى مولاي السلطان وهو بعنوان «الحدال» حقق تلك النقلة النوعية في مسيرتي الأدبية، وحظي باهتمام كبير من النقاد و القراء معاً على صعيد الوطن العربي برمته، و تصدر على صعيد سنتين متتاليتين المراكز الأولى في قائمة الكتب الأكثر مبيعا، ومرد ذلك أن هذه الرواية تتعرض للمرة الأولى لتاريخ المنطقة وسبر حكاياها عن كثب، وتكاشف تلك الحقبة التي ليست بالبعيدة، بقدر ما هي عزيزة على الإنسان في الإمارات، حيث رصدت بناء حياة هذا الفرد و تلاحمه مع المؤسس المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وخلدت تلك الذاكرة التي لا تبيد في القلوب والعقول معاً، وتركت للجيل الجديد مصدراً ملهماً للاقتداء.

} قدمت في كتابك «بنت نارنج الترنج» 12 حكاية شعبية إماراتية، ما الهدف من هذا العمل؟

- حرصت من خلال هذا العمل على جمع وتوثيق العديد من الحكايات الموروثة، والمعروفة في المجتمعات العربية وسواها من مختلف الأجناس والشعوب، لا سيما من المدونات الشعبية، فعمدت على تدوين الكتاب في قولبة جديدة، تتمثل في هدفين رئيسيين: أولهما أن يصل لأكبر شريحة من القراء، وثانيهما أن يكون الغرض من طرحه ليس كمياً، بل موضوعياً، يبحث في أصل الحكاية، وليس في كثرة الحكايا المطروحة، وانتقيت نماذج عدة تخدم هذا الغرض وتعززه، وكتبته في جزئيتين الأولى باللهجة المحلية الدارجة «القح» والثانية فصيحاً باللغة العربية، كي أمكن القارئ العربي من رصد مدوناتنا الشعبية دون أن أفرض عليه لهجتي الشفاهية، التي قد لا تمكنه من الاسترسال في المعنى والمضمون، وهو صادر عن دار الآداب في بيروت.

} تم تكريمك بجائزة العويس للدراسات والابتكار عن روايتك «العذراء والولي والساحر» ما هي أبرز مقومات فوز هذا النص الأدبي؟

- ولأن للعذرية قداستها في أعرافنا تجلت عذرية الأميرة (تناهيد) في روايتي الأخيرة (عذراء وولي وساحر)، في توظيف سام متجل باقتباسات قرآنية، وموغلة في لغة تراثية، تحمل سمة الموروث وتجنح للفضاءات الأسطورية.. وقد استلبتني كلمات جلال الدين الرومي:

(لقد نجوت من الخوف والرجاء، فحتام تسعى، وحتام تبحث، وإلى أين، إن مطلوبك معك، وأنت واقف عليه).

استلبتني هذه الكلمات، فتماهيت معها في رحلة البحث عن ذلك الحب المغيب، الذي تهفو أرواحنا إليه، فيطوف بأقربهم محبة منا في بدء تخلق القلب، وحتى حد ارتوائه بالسائل الأحمر، مسحة روحانية، وربما صوفية كما يسمونها، ولكنها لا شك هي «فضيلة» لتجعل منه نصا، يقرأ في عالم التخييل، فيصّعد بالحواس إلى عالم التماهي بالطهر والصفاء الروحي في مقابل عالم الرغبة والصراع المحتدم بينهما، متجليا في شخصية الولي الزاهد مولاي شكر، في عوالمه ترتحل روحك محلقة بك بين نقيضي معادلة شاقة، تمثل قاسِما مشتركا بين عاملي طهر ودناسة، و بين حب دنيوي فان، وكيف لهذا الحب الذي يعتاش على خفق قلب، أن يفضي في الخواتيم المقدسة إلى حب متسام وعشق دام للذات الإلهية.

«عذراء ووليّ وساحر» رواية العشق بامتياز، هكذا اشتهرت في الأوساط الثقافية والمواقع الأدبية الإلكترونية وسواها، لم يكونوا بحاجة للعودة لي بتعريفها وما كنت لأطمح في تفسير آخر، يرضي غرور ذلك القلم الذي يستمد مداده من قلبي.

} طالب البعض بضرورة مساءلتك ومحاكمتك، عما ورد في رواية «طروس إلى مولاي السلطان» من أحداث وشخصيات، ما هو تعقيبك على ذلك؟

- النص الحقيقي والناجح لا بد وأن يلاقي بعض الصعوبات، ولله الحمد واجهتها بصبر جميل وإرادة كبيرة، إذ لا ترمى سوى الشجرة المثمرة، ولم تستجب لا المحاكم الشرعية ولا الجهات الثقافية الحكومية إلى مساءلاتهم ولغط نيران أحقادهم وإن ثلاثية طروس إلى مولاي السلطان، ما هي سوى سفر وملحمة لوطن عظيم ستخلد تبرا في ترابه الحبيب.

} تشاركين في العديد من المهرجانات الأدبية عربياً وعالمياً، ماذا أضفى ذلك على مسيرتك الإبداعية؟

لقد حقق لي توازناً فكرياً وأفسح لي بالتمكين، فقد عزّز من حضور نصوصي للآخر بثقة، ومباهاة مردها ذلك الاعتراف بالمنجز الإماراتي الذي يقترن نجاحي بأمثولته، فلا أجمل من أن يشار إليك بالبنان لتمثل قيمة أدبية تنسب إلى هوية وطن.

} لماذا اتجهت إلى كتابة السيناريو؟

-حقيقة أنني لم أتجه إلى الكتابة في هذا الجنس الأدبي، ذي الحساسية المفرطة عن رغبة نابعة مني شخصيا، ولكن عندما طلب مني كتابته من بعض الأخوة المختصين، شعرت بأنه قد يكون نوعاً من التحدي لكتابة نص جديد لم أطرقه قبلا، ونظرا للكم الهائل من تلك الأعمال الدرامية الهابطة التي تفشت مؤخراً، فقد أخذتني الحمية لولوج هذه التجربة والمحاولة لأجل كتابة نص يوحي بتلك الحميمية التي تعالج قضايانا بشفافية وتحترم مجتمعاتنا، وتطرح رؤية بناءة خلاقة تخدم الأسرة الخليجية العربية المسلمة.