التوحش الخامس للتاريخ

05:05 صباحا
قراءة دقيقتين
خيري منصور
ما يذهل المراقب إزاء المشاهد الدموية التي تبث على مدار الساعة ليس فقط وحشيتها وانفلاتها من العقال، بل هو السؤال المؤجل على الدوام عن كل ما مر في التاريخ البشري من فلسفات وعقائد وفنون وآداب، وكيف لم تستطع كل تلك المنجزات تدجين الغرائز لدى شرائح من البشر تعيش ثقافة الغاب والكهف والجحور، فهل لا يزال التاريخ رغم مرور ألفيات عدة في بواكيره بحيث لم ينجز أنبل مهماته في تطوير الإنسان؟
ما يقوله المؤرخون هو أن لحظات التوحش المطلق نادراً ما تندلع دون مصدات لإعاقتها وبعض هؤلاء المؤرخين يرون أن ما نعيشه الآن هو التوحش الخامس للتاريخ، حيث تصل الحروب الدينية إلى ذروتها وهي دائماً أقسى الحروب، ودلالة ذلك باختصار هو الضمور الذي أصاب ثقافة التسامح والتعايش، والتي كانت مرشحة لإغناء الشعوب بالتنوع والتكامل بدلاً من التنابذ والتآكل، فمن كان يتنبأ قبل قرن بأن ربع العراق سيكون خلال أسابيع محتلاً من موجات متوحشة؟ أو أن العودة إلى ما قبل الدولة والقانون وحتى شريعة حمورابي ممكنة؟
لو تنبأ أحد بذلك لوصف بأنه سوداوي وخياله مشبع بالديستوبيا وكوابيس الجحيم الأرضي، لكن ما حدث بالفعل في زمن الحواسيب الذكية والهواتف الأذكى وذروة التقدم التكنولوجي هو مضادات مشحونة بالحقد على كل منجزات البشر، وكأن الساعات التي يحتكم هؤلاء إليها عقاربها تدور إلى الوراء، رغم أن العالم لا يعبأ بمثل هذا الجنون، وسيبقى له من تقاويمه ومنظومة قيمه ما يصحح اتجاه البوصلة، فالحرب الآن بين القلم والممحاة وبين السنبلة والغراب وما دام المستهدف في النهاية هو الإنسان الذي كدح آلاف السنين ليجعل الإقامة على هذا الكوكب ممكنة وآمنة .
ولأن التوحش بلغ ما هو أبعد من الذروة، فثمة من يحمل السلاح الناري لكنه يذبح الضحية بسكين عمياء كي يتلذذ بآلامها ويشبع ساديته من دمها وصراخها .
السؤال الذي لا مفرّ منه أمام كل مثقف في هذا العالم، هو هل ذهبت كل تلك المحاولات الساعية إلى تصعيد الغرائز السفلى سدى؟
أم أن للتاريخ وجهين، أحدهما نراه ونعيش فيه لأنه مضاء وواضح والآخر مظلم ويتناسل في العالم السفلي كالديدان؟
إن ما وراء هذه المشاهد هو أشد هولاً منها، وهو الدوافع البدائية التي تعيد البشر في لحظات إلى حيوانات مصابة بالسّعار والعمى .

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"