إيهاب عطا

أكد المستشار الدكتور محمد الحمادي رئيس نيابة الدار ونيابة إكسبرس الذكية بالنيابة العامة في دبي، أن استخدام أجهزة كشف الكذب والتنويم المغناطيسي، ممنوع في النيابة أثناء التحقيق كونها تجعل التحقيق باطلاً، بينما ذهب بعض فقهاء القانون إلى إمكانية الأخذ بها من قبل رجال المباحث.
وكشف عن عضويته في عدد من جمعيات النفع العام، بما لا يتعارض مع عمله القضائي، نافياً أن تكون أحكام البراءة في بعض القضايا بعد نظرها في الاستئناف، دليلاً على حدوث تقصير في التحقيقات، وإنما يرجع إلى قناعات القاضي والأدلة الجديدة التي قد تظهر. وبيّن أن مبادرة قضايا اليوم الواحد، خرجت من عباءة نيابة إكسبرس الذكية التي يترأسها بعد تطبيقها ونجاحها، كاشفاً خلال حديثه ل «الخليج» عن كواليس إنشاء نيابة الدار والمستفيدين منها من المجني عليهم والشهود، كما لم يفُته الحديث عن أصحاب الهمم وكيف تحافظ نيابة دبي على حقوقهم وإصدارها لدستورهم الخاص، وفيما يلي التفاصيل:
قال رئيس النيابة، إنه حصل على درجة الماجستير في القانون الجنائي في مسألة قانونية مهمة، وهي الاستجواب وأثر التقنيات العلمية الحديثة فيه.
وأضاف: رسالتي في الماجستير كانت في الاستجواب الإلكتروني وكيفية استخدام الأجهزة الحديثة في الاستجواب مع المتهم مثل الفيديو كونفرانس أو الاستجواب عن بُعد، وأيضاً التنويم المغناطيسي وجهاز كشف الكذب، وأغلب الفقهاء رفضوا استخدام مثل تلك الأجهزة في مرحلة تحقيقات النيابة؛ لأنها تمثل جانباً من الإكراه المعنوي على المتهم، وأنا لي رأي مختلف أجازه بعض فقهاء القانون، حيث يمكن لرجال الضبط القضائي من الشرطة ورجال المباحث استخدام تلك الوسائل للتيسير عليهم ولا يتم إثباتها على الورق، لكن يسترشدون بها للكشف عن ملابسات الجرائم وتقليص خيوط واستفهامات ارتكاب الجريمة، والنيابة في النهاية هي من تفنّد الأدلة وتحدد ما يعرض على القاضي، وهذه يمكن تطبيقها في الشرطة وليس النيابة العامة، وحتى الآن لا يؤخذ بها في التحقيق، وإذا استخدمت في النيابة يكون التحقيق والإجراءات المبنية عليه، باطلاً وتكون بمثابة إكراه معنوي للمتهم.
جمعيات النفع العام
وأوضح رئيس النيابة أن عضويته في جمعيات النفع العام، لا تتعارض مع عمله القضائي قائلاً: أنا عضو في أكثر من جمعية نفع عام داخل الدولة، مثل جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، وجمعية المحامين والقانونيين وكذلك عضو في جمعية متطوعي الإمارات، وجمعية توعية ورعاية الأحداث، والأصل في الموضوع ألا تُحدث عضويتي، أيَّ تعارض مع العمل في النيابة العامة، وقيادتنا الرشيدة تحثنا على العمل التطوعي، والآن معظم الدوائر الحكومية تشجّع على ذلك وتحث عليه، وعندما كنت سابقاً نائباً لرئيس جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، أخذت موافقة النائب العام الأسبق المستشار إبراهيم بو ملحة، وانتميت إلى الجمعية ولم يحدث تعارض بينها وبين عمل النيابة على الإطلاق، على الرغم أنه كان يُعرض علينا مشاكل وقضايا جنائية وشكاوى إنسانية.
ولابد أن نكون حكماء في التعامل مع بعض الشكاوى، وتلك التي أستشعر فيها تعارضاً مع صميم عملي القضائي، ابتعد عنها وأكلف أعضاء آخرين لمتابعتها، وتلك العضويات مهمة لأعضاء النيابة، شريطة أخذ موافقة النائب العام نظراً لطبيعة عمل عضو النيابة، لأنها تنمي القدرات والمواهب عند عضو النيابة، وتعطي دافعاً للعمل والتميز، وصادفني شكاوى كثيرة كان لها علاقة بالعمل في النيابة فأتحرّج منها وأكلف آخرين.
دقة التحقيق
ورداً على سؤال حول دقة التحقيقات في النيابة العامة وإعادة المحاكمة في بعض القضايا، أو صدور حكم بالبراءة بعد نظرها في الاستئناف، مما إذا كان ذلك دليل تقصير في التحقيقات، قال: هناك متابعة دقيقة ومباشرة من النائب العام لإمارة دبي المستشار عصام عيسى الحميدان، حول دقة وشمولية التحقيقات في القضايا الجزائية وتنفيذ دفوع أطراف الدعوى بما يتلاءم مع سير إجراءات الدعوى الجزائية.
وهناك مستهدف نسعى إلى تحقيقه في دقة التحقيق والاتهام، كان في عام 2017 ما نسبته 97%، ولكننا استطعنا تحقيق أداء أدقّ بنسبة 98.8%، كما حققنا سرعة تسجيل القضايا الجزائية بنسبة 99% بينما كان المستهدف 96%، وفي القضايا التي ترجع من التمييز ويعاد المحاكمة فيها، لو افترضنا حدوث تقصير في التحقيق في بعضها مع أنه شيء صعب الحدوث، إلا أنه لا يعتبر السبب الرئيسي لإعادة المحاكمة أو البراءة، فقد يكون هناك أسباب أخرى منها تقدير القاضي وكذلك تكوين القناعة لديه وهذا يختلف من قاضٍ لآخر وهو ما يجعل تقدير العقوبة، مختلفاً أيضاً من قاضٍ لآخر. كما أن هناك أدلة جديدة قد تظهر أمامه خلال إجراءات المحاكمة، وتأكد أن جميع القضايا التي تحال إلى محاكم دبي مدروسة؛ لأن هناك رئيس نيابة يقوم بمراجعة القضايا قبل إحالتها، وأحياناً يعيد القضية إلى عضو النيابة لإعادة التحقيق فيها أو دراسة ملفها.
نيابة إكسبرس الذكية
وحول طبيعة ودور نيابة إكسبرس الذكية التي يترأسها، قال رئيس النيابة: إن نيابة إكسبرسv الذكية توصف بأنها نيابة ذكية وسميت بذلك لأننا أضفنا وسائل ذكية لتنفيذها مثل: الهواتف الذكية في التواصل مع أطراف الدعوى الجزائية وإرسال بعض المعلومات عن طريق الرسائل والفيديو كونفرانس عند تجديد الحبس للمتهم في محبسه، فلا داعي أن يخرج من محبسه ويحضر عند عضو النيابة العامة، كما أنها تتماشى مع طبيعة إمارة دبي التطورية، وكذلك المقيمون فيها من سائحين ورجال أعمال، وقد تحدث قضايا شيكات بدون رصيد أو قضايا مطالبات مالية، تسبب تراكم وتكدس في القضايا وتزيد من عددها سواء في أقسام الشرطة أو المحاكم.
وكان الهدف من مبادرة نيابة إكسبرس الذكية، هو التخفيف على الجميع في تلك القضايا التي يسهل إنهاؤها في وقت قصير وتصل نسبتها حوالي 80% من القضايا، وكان من نتائجها التخفيف على الشريك الأساسي للنيابة وهو مراكز الشرطة؛ حيث تتكبد تكلفة مالية وجهداً ووقتاً وأيضاً المحاكم، وكذلك المحامون والتخفيف عنهم من الناحية الأمنية في التنقلات بين الشرطة والنيابة والمحاكم، وجاءت فكرتها من هذا المنطلق واستطعنا أن نجمع بين السلطة التنفيذية وهي الشرطة مع السلطة القضائية وهي النيابة العامة والمحاكم في مكان جغرافي واحد، وفي الوقت نفسه، يكون هناك فصل بين السلطات وخرجنا عن المألوف وخارج نطاق الصندوق، وكسرنا القاعدة العامة للمصلحة العامة، وحافظنا على النتائج والآلية وكذلك خصوصية عمل كل جهة بشكل يتقبلها الشارع الإماراتي، وكانت البداية في مركز شرطة المرقبات وهو مميز لوجوده في منطقة سكنية بها بنوك وفنادق كثيرة وجهات أخرى مهمة قبلها الشركاء والجميع رحب بها، ثم طبقناها في مركز شرطة البرشاء.
وأعجب بالفكرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وحصلنا على شهادة إبداع من برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز فئة الفكرة المبدعة (نيابة إكسبريس الذكية) في 2014، ومن المهم القول بأن مبادرة قضايا اليوم الواحد، انبثقت وخرجت من عباءة نيابة إكسبرس الذكية.
نيابة الدار
وحول فكرة نيابة الدار التي يترأسها الحمادي، نوّه بأنه ابتكرها من وحي طموحات القيادة الرشيدة التي تسعى إلى الرقم 1 دائماً، وتنفيذاً لتوجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما وجه بضرورة أن «نصل للناس قبل أن يصلوا إلينا»، فجاءت الفكرة خارج نطاق المألوف القضائي، لتصبح الرقم 1 على مستوى العالم فهي مبادرة قضائية وإنسانية في الوقت نفسه، ينتقل فيها عضو النيابة إلى المجني عليهم والشهود في مكان وجودهم للتحقيق معهم، وتهدف إلى تحقيق عدالة وكفاءة إجراءات التحقيق والاتهام، وكان الباعث الرئيسي وراءها، هو ما كشفت عنه حصر أسباب حفظ القضايا خلال الأعوام (2012- 2013) وقد بلغ عدد القضايا المحفوظة بسبب عدم حضور المجني عليهم،(345) حالة خلال عام 2012، و(254) حالة خلال عام 2013 بنسبة (21%).
شراكات استراتيجية
وقال: تمكنّا من عقد شراكات استراتيجية مع عدد من الجهات، مثل معهد دبي القضائي، وهيئة تنمية المجتمع التي توفر أماكن مخصصة للتحقيق مع الأطفال والنساء، وهيئة الصحة التي تسهل عملية دخول أعضاء النيابة للتحقيق مع المجني عليهم من المرضى والمصابين.
تطوير المبادرة
وأفاد: تم تطوير نيابة الدار بإضافة فئة جديدة، هم مسافرو رحلة العبور وطاقم الطائرة (الترانزيت) والشهود، وذلك بناء على طلب بعض فئات المتعاملين، كما أننا نستعد للحدث العالمي إكسبو 2020، وقد حصلنا على إشادة من الجمعية الدولية لأعضاء النيابة العامة بأن مبادرة نيابة الدار هي الأولى عالمياً من نوعها وطالبوا جميع الدول أن تحذو حذو نيابة دبي، وعرضنا الفكرة على جائزة الأفكار البريطانية وانبهروا بها في 2014، وحصلنا على المركز الأول في جائزة الأفكار العربية.
قضايا رأي عام
وكشف عن أنه في البداية لم تكن الفكرة مقبولة نوعاً ما، لدى بعض أعضاء النيابة العامة أو كيف ينتقل عضو النيابة إلى البيوت للتحقيق مع المجني عليهم أو الشهود، ومع تطبيقها وتبنّي القيادة للفكرة، أصبح لدى أعضاء النيابة العامة القبول، والآن أصبح هناك حماس عند الجميع في الانتقال منذ 2015، فتم الانتقال في قضية الرأي العام «قضية خادمة الورقاء» إلى المجني عليهم الأطفال الإماراتيين الثلاثة، وكذلك التحقيق مع والدة أطفال المجني عليها.
كما تم الانتقال إلى «طفل البرشاء» فانتقل فريق نيابة الدار إلى طفل عمره (10) سنوات والمجني عليه في قضية هتك عرض، ورحب والد الطفل بعضو النيابة وتعاون معه، وخلال 2017 تم مساعدة أصحاب الهمم والانتقال للتحقيق مع عدد 35 حالة منهم في قضايا مختلفة ما بين إعاقة سمعية وبصرية وجسدية وذهنية.
دستور أصحاب الهمم
عن تقديره لحقوق أصحاب الهمم، قال المستشار الدكتور محمد الحمادي رئيس نيابة الدار ونيابة إكسبرس الذكية بالنيابة العامة في دبي: تم إصدار وثيقة تحفظ لهم حقوقهم وكانت هي الأولى من نوعها في الإمارات فجمعنا كل الحقوق الخاصة بهم والمنصوص عليها في الدستور أو القوانين المحلية أو الاتحادية والاتفاقيات التي وقّعت عليها الدولة في وثيقة، وصغناه بطريقة سلسلة وبسيطة ومفهومة لأصحاب الهمم وبمجرد أن صاحب الهمّة يقرأ الوثيقة يعرف حقوقه ولا داعي أن يتبحر ويبحث عن المواد القوانين المختلفة، ويمكن أن نصفها ب «دستور أصحاب الهمم»، وتم إصدار الوثيقة باللغات العربية والإنجليزية ولغة برايل.
وأصدرنا كذلك وثيقة حقوق الحدث ووثيقة حقوق المتهم، ووثيقة حقوق السجين، وحقوق المجني عليه أيضاً، وقريباً سنصدر وثيقة حقوق الشخص المعنوي «الشركات»، وفي 2017 حصلنا على المركز الثالث الجهة الحكومية الصديقة لأصحاب الهمم، وفي 2018 حصلنا على المركز الأول في «برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز» عن فئة «الجهة الحكومية الصديقة لأصحاب الهمم».
دراسة واستطلاع
أكد المستشار الدكتور محمد الحمادي، أن دراسة أعدت من قبل رئيس النيابة الكلية بينت أن (21%) من القضايا تتأخر بسبب عدم حضور المجني عليهم من بعض كبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة إلى جلسات التحقيق لظروفهم الصحية، أو امتناع بعض النساء وربات البيوت والأطفال عن المثول أمام النيابة العامة، للمطالبة بحقوقهم المكفولة لهم بموجب القانون أو التنازل عن بعض الحقوق عند مرحلة معينة من مراحل الدعوى الجزائية، وكان ذلك بسبب توجّس وتخوّف بشكل عام من دخول مبنى النيابة العامة.
فهناك مثلاً قضية تم حفظها بسبب رفض والدة مجني عليهما بإحضار طفليها إلى مبنى النيابة، حفاظاً على حالتهما النفسية، وأحياناً العادات والتقاليد والأعراف قد تمنع المجني عليه من الحضور إلى النيابة، فأردنا القضاء على تلك المخاوف وأن نثبت أننا نيابة صديقة للمجتمع، بالذهاب إلى كل هؤلاء إلى حيث يوجدون، فجاء انتقال أعضاء النيابة خلال 60 دقيقة إلى المجني عليهم من تلك الفئات بنسبة (95%)، ووصلنا إلى معدل أداء وانتهاء من جلسات التحقيق خلال فترة أقل من (7) أيام، ورفعنا مستوى نتائج المؤشر الاستراتيجي لسرعة التحقيق والتصرف بما لا يتجاوز (12) يوم عمل.