أذكر في مثل هذه الأيام، قبل أكثر من سبعين سنة، كنت أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأمريكية في حي غاردن سيتي، وأمامي كتبي وكراساتي أذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي. انتبهت وأنا منهمك إلى يد على كتفي، رفعت رأسي لأرى قريباً لي يعمل في المكتبة أميناً لمكتبتَي الأطفال والموسيقى، يدعوني لشرب الشاي، والاستمتاع ببعض الراحة في مكتبه بالطابق الثاني. تحادثنا في أمور العائلة، وأموري الخاصة بدراستي، وما أخططه لما بعدها، وقد صار قريباً. انضم إلينا موظفون آخرون وموظفات، كل لدقيقة، أو أقل. كل يحييني تحية من يعرفني من قبل بسبب كثرة تردّدي على المكتبة، وقد صار وجهي مألوفاً، وطباعي كقارئ منتظم معروفة.
كانت مصر تغلي بالآثار التي خلّفتها الحملة التي شنتها حكومة الثورة ضد الخطط الأمريكية الهادفة، تحت مسمى حلف بغداد، إلى قمع تيار «القومية العربية» الزاحف وقتها بحماسة لم تشهد الكيانات السياسية العربية، بخاصة التي لم تكن حصلت بعد على استقلالها، مثيلاً لها من قبل.
أذكرني، وأنا العضو النشيط في فريق الجوالة، العضوية التي أتاحت لي زيارة أعالي السودان، ومرتفعات وسهول «المملكة» الليبية، امتداداً من الجبل الأخضر في ولاية برقة وانتهاء بالحدود مع تونس قرب طرابلس الغرب، إحدى أجمل المدن العربية المطلة على البحر المتوسط، أتاحت لي أيضاً زيارة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وحققت أمنية مراهق سياسي أن يشاهد على الطبيعة نمط حياة العدو الإسرائيلي على أرض غيره.
شجعني والد محب، يريدني أن أرى وأتعلم، وبالتأكيد لا يريدني أن أتعب، أو أمرض، أو أودع في زنزانة بسجن إسرائيلي، فأحظى وأنا دون الثامنة عشرة، بتغطية الصفحات الأولى لصحف القاهرة، وتوافد مراسلي الصحف على بيتنا في حي الدواوين، تستقبلهم أم بدموع منهمرة لثلاثة أيام طول فترة الاعتقال، والعودة برفقة البوليس الحربي من غزة، وحتى تسليمي لها على «بسطة» شقتنا على الطابق الثالث، حيث «باتت» في انتظاري لتحميني من الصحفيين، وغيرهم من الفضوليين أبناء الحي.
مر عام، أو عام وشهور معدودة، ليعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، هذا المرفق الحيوي المهم. نعرف الآن أن إسرائيل حثت كلاً من بريطانيا العظمى وفرنسا على شن حرب ضد مصر، من دون أن تحيط الولايات المتحدة علماً، أو تحصل منها على إذن مسبق. أظن أنها عادة إسرائيلية، وكفاءة منقطعة النظير، عادة إشعال الحروب بين دول كبيرة تتقاتل، أو تقاتل، بينما تنتهز إسرائيل الفرصة لتبيد شعوباً، أو تسرق ثروات، أو تتوسع في أراضي الغير، أو تحصل على ميزة، أو فائدة ما.
هناك في حرب السويس، حرب أسهمت إسرائيل في إشعال فتيلها، خرجت بريطانيا دولة «منزوعة» العظمة، دولة عظمى فقدت في هذه الحرب عظمتها. لم يدرك قادة دول العدوان الثلاثي أن أمريكا، بفضل حربهم، سوف تحصل على اعتراف عالمي بأنها صارت دولة عظمى. وتشهد السنوات اللاحقة كيف راحت دول العدوان ودول المنطقة والعالم بأسره، تجرب سياسات شتى لتتأقلم مع واقع جديد في النظام الدولي.
رحت أتأمل طويلاً في واقعنا الراهن. ففي نظرنا، كما في نظر دول عدّة، أمريكا لم تعد القوة الوحيدة صاحبة الحق في أن تمارس الهيمنة على ما عداها من دول وشعوب. أمريكا في وضعها الراهن لا تملك من القوى الناعمة والناتج الاقتصادي ما يسمح لها بأن تهيمن منفردة، وإن كانت مستمرة في ممارسة هذا الحق، تلصصاً أو خلسة، أو خروجاً عن القواعد الجديدة المصاحبة لمرحلة الانتقال الراهن في خريطة توزيع القوة. لاحظت، كما لاحظ كثيرون، أن إسرائيل، مثل دول أخرى في الشرق الأوسط، لا تزال مصرة، بالعجز أو بنقص اليقين أو بالثقة العمياء، على أن تتعامل، إقليمياً ودولياً، على اعتبار أن الولايات المتحدة لا تزال دولة عظمى، ومهيمنة، ولو في هذا الإقليم فقط.
أعتقد أن في هذه الملاحظة الكثير من المبالغة. لأنه إذا كانت هناك دول في هذا العالم يجيد خبراؤها قراءة خريطة توزيع القوى، فإسرائيل سوف تأتي في مقدمة هذه الدول. إسرائيل مدينة بنشأتها وغزواتها ونفوذها الدولي لدورّين أجادت صنعهما وممارستهما، على مدى السنين. قليلون من بين منظّري وممارسي التعليق على أدوار لعبتها إسرائيل، في القرنين الأخيرين، هم الذين ينكرون هذه الحقيقة. اليهود من ذوى الميول الصهيونية لا يزالون الأقدر، بين مختلف التيارات الأيديولوجية، على دفع الدول، العظمي بخاصة، إلى شن حرب، أو أخرى، فلإسرائيل من وراء هذه الحروب غرض ومبتغى.
إسرائيل تعلم أن أمريكا دولة عظمى، ولكن منحدرة، والانحدار، كما تعلّمنا من تجارب التاريخ، بخاصة حرب السويس، سبب كافٍ لشن حرب لا يرجى من ورائها خير للدولة العظمى المنحدرة، وسبب آخر كافٍ أيضاً لانسحابها فجأة وفي أي وقت من هذه الحرب.
