د. محمد الكعبي *

التعددية الدينية في دولة الإمارات العربية المتحدة ظاهرة صحية طبيعية في دولة منفتحة على التنوع الحضاري والثراء المعرفي منذ العصور القديمة حيث تم الكشف الأثري عن دير وكنيسة في جزيرة صير بني ياس تعود إلى القرن السابع الميلادي، واليوم تشهد الدولة نهضة حضارية حديثة ومعاصرة توجتها القيادة الرشيدة بإصدار عدد من القوانين والممارسات التي تعزز هذا التنوع والتعددية في المجتمع المتسامح بازدهار والمتعايش بسعادة وحرية وحوار، فتعاليم الدين الإسلامي هي الأساس والمنطلق لمنهجية الوسطية والاعتدال وعليهما تبنى الحياة الكريمة لجميع بني الإنسان حيث جاء في القرآن الكريم (لا إكراه في الدين) وقوله تعالى: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) الحجرات: 13 وقوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين).
وقد أكد هذا المنحى والنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله «ألا من ظلم مُعاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» رواه أصحاب السنن.
وتعد دولة الإمارات أنموذجاً للتعايش الحضاري والتسامح الديني بما توفره للأقليات من بيئة عمل ورضا وظيفي، واستقرار نفسي، وسكن، ودور عبادة، باعتبارها دولة عربية إسلامية، تؤكد هويتها وأصالتها والتسامح الديني فيها.
ولذلك كان من الطبيعي أن تتعزز العلاقات الرسمية والدينية بين دولة الإمارات العربية المتحدة، وحاضرة الفاتيكان منذ عهد البابا بندكت السادس عشر إلى العهد الحالي للبابا فرانسيس.. حيث سبق أن زار العديد من الوفود البابا بندكت الذي وصف دولة الإمارات حينها بأنها واجهة للسلام والاستقرار في العالم، يتعايش فيها أصحاب الديانات المختلفة، وقال: إن الإمارات أنموذج لدولة إسلامية متسامحة، وتعمل على تشجيع الحوار بين أبناء الأديان وتدعو إلى خير البشرية جمعاء، فالإمارات بفضل توجيهات قيادتها الحكيمة تعد أنموذجاً للتعايش بين مختلف الشعوب.
ثم تواصلت زيارات الوفود بين الجانبين إلى أن توّجت بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المساحة في منتصف سبتمبر 2016 إلى الفاتيكان والتي أسست لرؤية عميقة لمستقبل التعاون الدولي، وأعرب خلالها قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية عن سعادته بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وبأهمية التعاون المشترك وتبادل الرأي في القضايا التي تهم الجانبين، وقد أكد حينها سموه أن دولة الإمارات حريصة على تعزيز العلاقات مع دولة الفاتيكان انطلاقاً من إيمانها بأن العالم في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مدّ جسور الحوار والتعاون بين مختلف الثقافات والديانات للتصدي لمثيري الفتن الدينية والطائفية والعنصرية.
وتحدث البابا فرانسيس مشيداً بالجهود التي تبذلها دولة الإمارات لنشر التسامح والحوار والتعايش بين مختلف الشعوب.
وتعد دولة الإمارات من الدول الأكثر استجابة لروح التفاهم الديني والتواصل الحضاري، نظراً لاستقطابها مئات الجنسيات والأعراق والديانات المنخرطة في سوق العمل، والأنشطة التجارية والاستثمارية الرائجة في الدولة.
ولأن قيادة الدولة، وتوجهات الحكومة تسعى للتميز والجودة في بنائها الحضاري المتسارع، ولما يتمتع به المجتمع الإماراتي من استقرار وعدالة ورخاء، كان لابد من إصدار التشريعات الموائمة لاستراتيجية الدولة المبنية أصلاً على روح التسامح، تجاه كافة الموظفين والعمال والزائرين.
إن مجتمع دولة الإمارات في ظل قيادته الرشيدة يعيش ثقافة التسامح والتعايش الحضاري بين جميع مكوناته من مواطنين ومقيمين باحثين عن أفضل بيئات التعاون والاستثمار والعمل الشريف في ظل الحقوق والحريات التي يصونها دستور الدولة.
لقد قدمت الإمارات العديد من المبادرات الحمائية والحضارية في ظل الانفتاح على الحداثة والمعاصرة والتطور، من أهمها إنشاء وزارتي التسامح والسعادة، كما رعت وزارة الخارجية ودعمت عدداً من المنتديات والمجالس المحلية والدولية كمجلس حكماء المسلمين، ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وقد أثمر ذلك عدداً من الفعاليات واللقاءات الدولية بين القيادات الدينية والفكرية أهمها نشر ثقافة السلام والتعايش بين الأديان.
ويؤمن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إيماناً راسخاً بقيم التسامح والاعتدال والتعايش الثقافي والحضاري، ونبذ عوامل التمييز والتعصب والكراهية بين الشعوب.. فنحن نعيش في عالم متشابك المصالح، متعدد الثقافات. ولذا أشادت المنظمات الحقوقية والمراكز البحثية والمؤسسات الدينية والإعلامية بالمحتوى القانوني الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.

* رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف