منذ اكتشافها قبل ما يزيد على قرن قبل الميلاد، وربما أكثر من ذلك بكثير، تظل المخترعات الأربعة الكبرى، الورق والطباعة والبوصلة والبارود، أعظم الإسهامات العلمية التي قدمتها بلاد الصين للحضارة الإنسانية على مر العصور، إذ لم تتوقف تأثيرات تلك المخترعات الأربعة عند حدود البلاد المعروفة قديما ب«بلاد وديان الأنهار الثلاثة»، وإنما امتدت آثارها التي لا تزال ماثلة حتى اليوم، في كافة المنجزات الحضارية التي بناها الإنسان، على مدار أكثر من ألفي عام.
وتعد البوصلة أحد أقدم المنجزات التي قدمتها الصين للحضارة الإنسانية، إذ يرجع تاريخ اكتشافها إلى ما يزيد على مئتي عام قبل الميلاد، في عصر ما يعرف بالممالك المتحاربة، وقد لعب هذا الجهاز الملاحي البسيط، بالغ الأثر في العديد من الاكتشافات التي جرت في أزمنة متعاقبة.
بعد أن تمكن الصينيون من سبر أغوار عالم البحار الغامض، والاسترشاد بتلك الآلة البدائية في التعرف إلى الجهات الأربع، وما ترتب على ذلك من إدخال تغييرات جذرية على فنون الملاحة القديمة، التي ظلت لقرون تعتمد على حسابات النجوم والفلك، قبل أن تفتح البوصلة الصينية الطريق أمام تطور لافت في حركة الملاحة العالمية، وما أسفر عنه ذلك من انتعاش للتبادل الحضاري والثقافي بين مختلف دول العالم القديم.
صنع الصينيون البوصلة في بادئ الأمر من حجر المغناطيس الطبيعي، وقد كانت تتخذ شكل ملعقة طعام، توضع فوق قاعدة نحاسية أو خشبية، حيث يشير رأس الملعقة في حالة الاستقرار من الحركة إلى الجنوب، وقد كان الصينيون هم أول شعوب الأرض التي استخدمت البوصلة في الملاحة البحرية، وظلت تستخدمها بصورتها التقليدية لقرون، قبل أن تدخل عليها تحسينات عدة مع نهايات القرن الحادي عشر، مع بدء عهد أسرة سونغ الملكية، فتم تركيب الإبرة المغناطيسية مع جهاز تقسيم الاتجاهات لتتحول إلى جهاز متكامل، لا غنى عنه للمراكب التجارية التي تمخر عباب الماء في أنحاء المعمورة.
صناعة الورق
يعرف ابن خلدون الحضارة بأنها: «تفنن في الترف وإحكام للصنائع المستعملة»، فيما يذهب وول ديو رانت صاحب الكتاب الأشهر «قصة الحضارة» إلى أنها «نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي»، فما الذي يمكن أن يذهب إليه الباحثون والمفكرون، في تقييم ما قدمته الصين للحضارة الإنسانية، وهي البلد الذي اخترع الورق، ذلك الوسيط الذي نقل تاريخ الإنسان على وجه البسيطة، عبر ملايين من الكتب والأوراق القديمة، التي سجلت تطور الحضارات على مر العصور.
ربما لا يوجد تاريخ محدد للوقت الذي اخترع فيه الصينيون الورق، لكن كثيرا من الدراسات تذهب إلى أنه ظهر في الصين قبل نحو مئة عام على الأقل قبل الميلاد، باستخدام نبات القنب، لكن الصينيين أنفسهم يعترفون بأن ظهور هذا الاختراع المدهش الذي أبهر العالم، تم بمحض الصدفة في بادئ الأمر، عبر الرواسب التي كانت تخلفها الملابس المصنوعة من القنب بعد غسلها، حيث تم ضغط هذه الرواسب في بادئ الأمر وتم استخدمها في النقش، قبل أن يتطور الأمر إلى اختراع الورق المصقول، بواسطة ضغط الألياف النباتية بعد تجفيفها في صحائف، على إطارات أو غرابيل خشبية، ويرجع الفضل في تلك الطريقة إلى «كاي لون» الذي كان يشغل موقع رئيس ورش العمل الإمبراطورية، فقد كان هو أول من استخدم الخيزران الثقيل، وشرائط الخشب مع الحرير لتدوين مكاتباته، وتسجيل الأوامر للعمال، قبل أن يبذل في وقت لاحق جهدا كبيرا في العمل على إيجاد بديل أخف وزنا، وأرخص ثمنًا، ليتوصل في النهاية إلى مخطوطات الورق، بعد تجريب أنواع عدة من الألياف النباتية، وعلى نهج «كاي» سار آخرون نجحوا في تحسين نوع الورق، باستخدام ألياف من النباتات المختلفة، الممزوجة بسيقان الأعشاب ونبات القنب ولحاء الشجر، خصوصا بعد أن زاد الطلب على هذا الاختراع الصيني المدهش في العديد من الممالك المجاورة، إذ كان الورق الصيني يتمتع بجودة عالية، وضعته في مقدمة المواد التجارية بالنسبة للغالبية العظمى من تجارة الصين مع الممالك الأخرى على طول طريق الحرير التاريخي.
تقنيات الطباعة
لعب اختراع الورق في الصين القديمة، دورا كبيرا في ظهور الطباعة للمرة الأولى في التاريخ، وقد نشأت أول تقنية للطباعة في الصين وهي ما يعرف ب«الطباعة الخشبية»، قبل أن تنتقل لاحقا إلى المنسوجات ثم الورق، الذي بدأ يتحول إلى عملة ورقية بعد طباعته، حيث كانت حكومة الإمبراطور تصنع ورقا أسود اللون من لحاء شجر التوت، كان العمال يقومون على تقطيعه إلى أحجام مختلفة، قبل أن تختم هذه الأوراق بخاتم خاص، ثم يغمس الورق في حبر قرمزي اللون، ليسمح لها بعد ذلك بالتداول بين الناس، وقد اكتسبت قوة الذهب أو الفضة.
استخدم كهنة الصين القديمة فنون الطباعة، في طباعة التعاويذ الدينية على قطع الفخار لحماية المسافرين، أو لمواجهة السحر، ومن هذه الطريقة نجح الصينيون في استخدام هذا الأسلوب في الطباعة على القماش، قبل أن ينجحوا لاحقا في إنتاج أول كتاب مطبوع في العالم، وهو كتاب في الحكم والأمثال يسمى «درة البوذي»، وقد عثر على هذا الكتاب مطلع القرن الحالي في حجرة صغيرة، داخل أحد الكهوف، ما يرجح أنه كان أحد الكتب الدينية المقدسة لدى البوذيين القدماء في الصين.
على مدار عقود من الزمان، تواصلت الاكتشافات الأثرية لكتب وأوراق صينية قديمة في جبال تركمانستان، إلى جانب كتب منسوخة بطريقة الطباعة القديمة، لا تزال تحتفظ برونقها، رغم مرور أكثر من ألف عام على تدوينها، ويقول إريك دي جرولييه. في كتابة «تاريخ الكتاب» الصادر عن دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع: إن الطباعة في الصين القديمة، مرت بثلاث مراحل: الأولى وهي مرحلة الخاتم المحفور، وهي تقنية كانت معروفة في العصر اليوناني القديم، قبل أن تنتقل إلى الصين عن طريق فتوحات الإسكندر الأكبر، وقد حل الخاتم على الورق ما بين القرنين الثالث والرابع، أي بعد اكتشاف الورق بحوالي قرنين من الزمان، واختراع الصين لحبر الطباعة، وهو ما ساهم في ظهور تقنية أخرى مغايرة، نجح الصينيون من خلالها في حفظ «الكتب الكلاسيكية الخمسة» وهي الكتب التي تضم النصوص المقدسة في العقائد الصينية القديمة، عن طريق الطباعة البارزة بالفرشاة على الورق، وقد ظهرت هذه التقنية حسبما يذهب كثير من المؤرخين في عهد أسرة «هان» بناء على توجيه من الإمبراطور «لنج تي» عام 175ميلادية، أما المرحلة الثالثة فقد شهدت ظهور الكليشيهات المعدنية، التي طبع عن طريقها صور صغيرة ل«بوذا»، على مدرجات من الورق الخفيف أو القماش أو الحرير، وقد استخدمت تلك التقنية للمرة الأولى، في عهد أسرة «تانج» في القرنين السادس والسابع الميلاديين.
وعرف الصينيون تقنية صناعة الأحبار، وكانوا يصنعونها من السخام وأسود العاج المخلوط مع الصمغ والغراء، وتذهب العديد من الدراسات إلى أن أقدم الأحبار المستخدمة في الحضارة الصينية، يرجع تاريخه إلى حوالي 1200 قبل الميلاد، ومن العجيب أنه حبر لم يتغير لونه على مر الزمن، وقد كان الصينيون يستخدمون أقلام الغاب في الكتابة بعد غمسها في الأحبار، التي لعب اكتشافها الدور الأكبر في ظهور الطباعة وما تلا ذلك من استنساخ للعديد من الكتب الخاصة بالآداب القديمة في تلك البلاد التي لم تتوقف عن الإبداع ورفد الحضارة الإنسانية بالعديد من المنجزات التي غيرت وجه البشرية.
الثلج الصيني
عرف الصينيون البارود قبل غيرهم من شعوب العالم، واستخدموه في احتفالاتهم بادئ الأمر، على نحو ما هو معروف الآن ب«الألعاب النارية»، قبل أن يدخلوه في عهد أسرة «سونج» إلى الصناعات الحربية، لتظهر للمرة الأولى في التاريخ ما يعرف ب«القنبلة اليدوية»، وقد عرف العرب هذا المخترع الصيني في النصف الأول من القرن الثالث عشر، عندما نقله التجار وكانوا يطلقون عليه اسم «الثلج الصيني»، وعن طريق البارود نجح هولاكو في إسقاط بغداد، قبل أن يتمكن العرب من فهم تلك الصناعة من المنغوليين، ويقومون بنقلها إلى الإسبان الذين نجحوا في استخدامها خلال حروبهم في الأرياف الأوروبية، لتنتقل تلك الصناعة إلى مختلف أنحاء العالم.
يقدر علماء ومؤرخون عدد الاختراعات العلمية الكبرى التي غيرت وجه العالم، منذ بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وحتى القرن السادس عشر، بنحو 67 اختراعا، بلغ نصيب الصين منها 38 اختراعا، من أبرزها المنجزات الأربعة الأكبر في الحضارة الإنسانية، بنسبة تزيد على النصف بقليل، وهو ما يشير إلى عظمة تلك الحضارة الإنسانية التي ألهمت العالم على مدار قرون من الزمان.