يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في أحد فصول «قصتي» الذي يحمل عنوان: «بين الحرب والسلام» قصة الحرب الإيرانية - العراقية، وتالياً نص القصة:
تمر الدول باختيارات صعبة، حالها حال الأفراد، اختيارات بين معركة التنمية و معارك السياسة، اختيارات بين استثمار مواردها في البناء و حرق مواردها في المعارك، اختيارات بين السلام والحرب.
أتأمل ذلك وأنا أستذكر عام 1979. كان عاماً رأيت فيه الاختيارات التي كانت تحدث في وطني، والتي كانت تحدث في دول المنطقة بجانب وطني. وأرى اليوم نتائج تلك الاختيارات. بعد أكثر من أربعين عاماً تستطيع رؤية نتائج تلك الاختيارات بوضوح أكبر.
في دبي، كان عام 1979 عاماً حافلاً، وينظر الكثيرون إليه باعتباره عاماً محورياً في تاريخ دبي، كونه العام الذي شهد انطلاق ثلاثة من أكبر مشاريع الإمارة. أول تلك المشاريع ميناء جبل علي، والثاني مصهر الألمنيوم الذي أنشأته وتملّكته شركة دبي للألمنيوم «دوبال» بقدرة سنوية أولية وصلت إلى 135 ألف طن. أما المشروع الضخم الثالث الذي بدأ ذلك العام فكان مركز التجارة الدولي في دبي الذي يُعرف اليوم باسم مركز دبي التجاري العالمي، والذي كان أطول مبنى في الشرق الأوسط، وواحداً من أكبر المباني في العالم آنذاك. في ذلك العام، بدأنا نشعر بأننا في طريقنا لتحقيق قفزات كبرى، وبأن معركتنا لبناء وطننا بدأت تؤتي ثمارها، وأن العالم بدأ يعرفنا. كان العام ١٩٧٩ هو العام الذي بدأنا ندرك فيه أن أحلامنا التي لا حدود لها يمكن تحقيقها، ولا توجد أي قوة يمكن أن تقف أمامنا. كانت طموحاتنا في قمتها، وتطلعاتنا لا سماء لها.
في هذا العام أيضاً، شهدنا ثورة في إيران وتغيير نظام الحكم فيها، واعتلاء صدام حسين سدة الرئاسة في العراق. وشهدنا في العام نفسه نُذر مواجهة محتملة بين العراق وإيران، كقوتين في المنطقة سيكون لهما أثر كبير في مستقبلنا.
كان التوتر في المنطقة يتصاعد، أهم وأكبر جارين لنا على وشك مواجهة، لم تستطع القنوات الدبلوماسية مساعدة الدولتين على تلافي الحرب، ولكنني شخصياً ومن موقعي وزيراً للدفاع لم أستطع إلا أن أستعد لوقوعها.
ازدادت مسؤولياتي في ذلك الوقت أيضاً، فبالإضافة إلى وزارة الدفاع كنت ممتناً لإشراك الشيخ زايد لي في جهوده في الوساطة وإطلاعي على منهجيته وسياسته من خلال مرافقته أثناء السفر أو تمثيله في اللقاءات الدبلوماسية لمحاولة تلافي الحرب. ولكن في أواخر عام ١٩٧٩ وبداية عام ١٩٨٠، لاحظت أن العلاقات بين الدولتين اللتين تتمتعان بأكبر عدد من السكان وتملكان جيشين من أقوى الجيوش في المنطقة، قد بلغت نقطة لا رجعة عنها. وكان هذا من أكبر الأمور المحزنة في حياتي، لأنني أدركت أننا ندخل نفقاً لا نعلم متى قد نخرج منه.
في ٤ سبتمبر من العام ١٩٨٠، اتهم العراق إيران بأنها قصفت مدناً حدودية من بينها خانقين ومندلي. وفي ٢٢ سبتمبر، بدأت الحرب العراقية الإيرانية، واستمرت ثماني سنوات مدمرة، واخترنا البقاء على الحياد. لم تكن سنوات الحرب تلك بالنسبة لنا سنوات ضائعة أو سنوات انتظار، بل أطلقنا أكبر ورشة عمل في بلدنا لتحقيق قفزات تنموية كبرى.
ولعل إحدى النتائج الإيجابية لتلك الحرب أنها دفعت دول الخليج للتفكير بشكل جماعي لحماية نفسها، وتحقيق نمو اقتصادي لشعوبها.
كان تأسيس «مجلس التعاون الخليجي» كمنظومة وحدوية إقليمية سياسية واقتصادية، مطروحاً على الطاولة، وكمؤيد شديد للفيدرالية، تحمست جداً لهذه الفكرة، وعزمت على مساعدة زملائي في مجلس التعاون الخليجي بهدف تفعيل أجندتنا القائمة على الدفاع عن منطقة الخليج من خلال التعاون المشترك.
وفي ٢٥ مايو ١٩٨١، أعلن رسمياً عن تأسيس «مجلس التعاون لدول الخليج العربية». وفي شهر مايو، كنت اجلس بكل فخر وراء الشيخ زايد عندما افتتح «قمة التأسيس» في أبوظبي، هذا ما كنت أحلم به، وهذه هي النوايا الحسنة التي ستؤثر إيجابياً في المنطقة ككل. تمنيت لو أن القادة في جميع البلاد العربية يفكرون بمثل هذه الصيغة من التعاون فيما بينهم لتحقيق السلام وخدمة الشعوب، وهو أمر يمكن تحقيقه بالتأكيد، فقد حققته مرتين في حياتي، في اتحاد الإمارات وفي إنشاء مجلس التعاون الخليجي.
كنا نستطيع أن نبقى محايدين في الحرب، ولكننا أجبرنا على حماية المنشآت النفطية في الخليج، حيث كانت مياه الخليج العربي في الثمانينات مسرحاً لما يُعرف ب«حرب الناقلات» من خلال استهداف العراق وإيران ناقلات النفط والناقلات البحرية والتجارية لكل منهما، بهدف قطع الإمدادات العسكرية والاقتصادية للجيشين. وامتد الاستهداف ليشمل السفن التجارية لدول المنطقة، التي ليست طرفاً في الحرب. لم نستطع الوقوف مكتوفي الأيدي إزاء مهاجمة سفن النفط التجارية الخاصة بنا، ما دفعنا إلى نشر قواتنا المسلحة في البحر والجو. وفي أكتوبر من العام ١٩٨٣ نظمنا أول تمارين مشتركة مع القوات المسلحة العُمانية والسعودية والبحرينية بالإضافة إلى الكويتية والقطرية تحت اسم قوات «درع الجزيرة».
خلال منتصف الثمانينات، تعرّض عدد من ناقلات النفط التابعة لعدد من دول المنطقة في مياه الخليج العربي للقصف، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من الموظفين والعاملين فيها، والتأثير في الحياة البحرية في سواحلنا بسبب تسرب النفط، إلى المياه. لذا، تحسباً للعواقب، سحبنا بعض سفننا إلى مياهنا الإقليمية. لن أنسى الجهود الحثيثة التي بذلها الشيخ زايد خلال الحرب من أجل وضع أسس لمفاوضات تفضي إلى السلام الذي تمنينا أن يتحقق. وفي ذلك الوقت أصبح عالمي كله يدور حول الأمور العسكرية والمخاوف الأمنية، وتمحور عملي حول حماية وطني وذلك بعد أن أصبحت الحرب في المنطقة جزءاً من الصراع بين القوى الكبرى، خاصة بعدما أصبحت الولايات المتحدة طرفاً في حرب الناقلات.
في يوليو ١٩٨٨، أطلقت السفينة الحربية الأمريكية «يو إس إس فنسنس» صاروخين بالخطأ على طائرة مدنية، تابعة للخطوط الجوية الإيرانية، بينما كانت متجهة إلى دبي، فقُتل جميع ركابها البالغ عددهم ٢٩٠ شخصاً.
بعد أسبوعين من هذه الحادثة، أعلنت إيران رسمياً قبولها قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٥٩٨ القاضي بالوقف الفوري للحرب العراقية الإيرانية.
وهكذا توقفت الحرب. توقفت الحرب بعد أكثر من مليون قتيل، وأكثر من تريليون دولار من الخسائر. توقفت الحرب التي لم يربح فيها أحد، ولم نعلم حتى اليوم لماذا بدأت.
بالمناسبة «دوبال» اليوم هي خامس أكبر منتج عالمي للألمنيوم، بعد دمجها مع شركة الإمارات للألمنيوم «إيمال»، وجبل علي أصبح يضم منطقة حرة فيها أكثر من ٧٠٠٠ شركة، وكررنا تجربته لندير اليوم أكثر من ٧٨ ميناء حول العالم. أما مركز دبي التجاري العالمي فأصبح اليوم أكبر مركز لاستضافة المعارض في المنطقة، ويجمع أكثر من ثلاثة ملايين رجل أعمال وخبير ومختص سنوياً ضمن ٥٠٠ فعالية. وأصبح شارع الشيخ زايد الذي بدأ بالبرج هو الشارع الذي يضم أكبر عدد ناطحات سحاب في الشرق الأوسط.
نعم بعد أكثر من أربعين عاماً - وهي ليست كبيرة في عمر الشعوب - تتضح لك نتائج اختياراتك بين الحرب والسلام، بين المخاطرة في ميادين التنمية والمخاطرة في ميادين السياسة.
«مسؤولية تاريخية».. حماية الاتحاد
يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في أحد فصول «قصتي» الذي يحمل عنوان: «مسؤولية تاريخية» قصة تكليفه من قبل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه، بحماية الاتحاد، وسفر سموه إلى بريطانيا للالتحاق بمدرسة اللغات العسكرية في بيكونزفيلد بمقاطعة باكينغهامشير الإنجليزية، وتالياً نص القصة:
في حياة كل إنسان فواصل، فاصل بين مرحلة وأخرى، فاصل بين حياة وأخرى، فاصل بين حلم وبداية حلم جديد. كان الفاصل الرئيسي في حياتي بين مرحلة الفتوة ومرحلة الرجولة هي كلمة.. كلمة راشد بن سعيد: محمد.. أريدك أن تكون مسؤولاً عن حماية الاتحاد.
كنت أسمع وأقرأ في تاريخنا عن قادة عظام، قادوا جيوشاً وهم صغار السن، كأسامة بن زيد وقتيبة بن مسلم وغيرهما، لكنني كنت أنظر إلى ذلك كخيال تاريخي، وأساطير بطولية في تاريخنا الجميل، حتى تم إسناد هذه المهمة لي وأنا ابن 19 عاماً فقط: تأسيس جيش لدولة بلا جيش، وتجهيز خطة دفاع لدولة لم تولد بعد، جيش يستطيع أن يملأ الفراغ الذي سيتركه البريطانيون خلال ثلاث سنوات فقط، ويستطيع توفير حماية لهذه الدولة الصغيرة في منطقة مضطربة، مليئة بالأطماع والدسائس والحروب التي لا تنتهي.
كان موضوع قوة الدفاع، من أكثر الموضوعات حساسية في محادثات تأسيس الاتحاد، داخلياً وخارجياً. كان لدى وعيّ كامل بحساسية هذا الموضوع وإدراك بأهمية المسؤولية التي وضعها المؤسسون بين يدي.
ما كان يدهشني أنني لم أكن خائفاً من هذه المسؤولية، بل أحسست بأنها ارتقت بقدراتي وتفكيري وإمكانياتي إلى مستوى جديد لم أعتقد أني سأصل إليه بهذه السرعة.
بدأ العمل على الفور، وأصدر الشيخ راشد مرسوماً بتعييني قائداً للشرطة والأمن العام بدبي في فبراير 1968، وشمل القرار انتقالي إلى المملكة المتحدة للالتحاق بتدريب عسكري متخصص، حيث لم يكن هناك أفضل منها لتقارب ممارساتهم العسكرية مع ما كان موجوداً ومألوفاً لدينا، وكنت مؤمناً بأنهم أصحاب الخبرة العسكرية الأعرق عالمياً، ودائماً ما كنت أفكر كيف استطاعت هذه الدولة أن تسيطر على ربع مساحة الكرة الأرضية، وأن تكون الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وما نوعية التدريب الذي يوفرونه لضباطهم. كنت أسعى لأفضل تدريب عسكري أستطيع الحصول عليه.
وقع اختياري في البداية على مدرسة اللغات العسكرية في بيكونزفيلد بمقاطعة باكينغهامشير الإنجليزية، وتم إجراء كافة الترتيبات خلال فترة قصيرة، سافرت إلى إنجلترا ومن ثم إلى المدرسة في بيكونزفيلد لأخضع للتقييم، كانت نتيجة التقييم البدني وتقييم المهارات صادمة لي، حيث استدعاني القائد العسكري إلى مكتبه وأوضح لي أن مهاراتي ولياقتي ستكون أعلى من المشرف الذي سيدربني، واقترح عليّ إعادة النظر في التسجيل.
طلبت اجتماعاً بعد فترة في وزارة الدفاع في لندن، وهناك تقرر أن أسجل في «كلية مونز للضباط» في ألدرشوت. شعرت بالراحة واتصلت بوالدي لأبشره بالأخبار السارة، كان أفضل ما في الأمر بالنسبة لي ما سمعته عن كلية مونز أن البرامج التدريبية فيها أقسى بكثير من غيرها، وكنت مستعداً لبذل قصارى جهدي، لأنني عقدت العزم على ألا أعود إلى دبي إلا بعد أن أكون قادراً بدنياً وذهنياً وعسكرياً على مواجهة أي شيء، فليعطوني أسوأ ما لديهم وأقسى ما يمكنهم تخيله!
كانت مونز، الوحدة الملكية العسكرية 161، جزءاً من أكاديمية ساندهيرست لتدريب الضباط، وقد تم تغيير اسمها لاحقاً لتصبح كلية مونز للضباط.
كنا مجموعة من النخبة. وظلت «مونز» القاعدة التدريبية الرئيسية للفرسان وقوات المدفعية في بريطانيا، ولكن بعد بضع سنوات من خروجي منها تم دمجها مع «ساندهيرست».
انضممت إلى سرية «كوهيما»، وكان معي مجموعة من ضباط سلاح الفرسان الملكي والخيالة والمهندسين الملكيين والحرس والمشاة. وقد واجهوا صعوبة في نطق اسمي (محمد بن راشد آل مكتوم) لذلك قرر الوكيل المسؤول عني وغيره من الرجال مناداتي باسم «الضابط راشد»، ولكن عندما كان يغضب غضباً شديداً، وهو أمر يحدث بشكل دائم معي، كان يصرخ بصوت عالٍ: مكتوم.
عند وصولي لم يكن لديهم أدنى فكرة عني، وقد كان هذا في صالحي على ما أعتقد، لأن حياتي سرعان ما أصبحت أصعب عندما عرف قائدي المباشر هويتي، وهو أمر لا يمكن وصفه، لكن هذا ما حدث، أعتقد أن أكثر ما كان يخشاه أن يقال إنه عاملني بشكل مختلف محاباة أو لشيء من هذا القبيل، ومع ذلك كله، فقد عشقت المشقة والتعب وتعلمت كيف أتحمل الألم البدني، لقد جئت لهذه الغاية وإن كانت الضريبة تشقق قدمي وإصابتي بالقروح الجلدية بسبب البرد، وحرماني من النوم، وضيق الوقت المخصص للطعام والذي لم يكن يتجاوز بضع دقائق، أما في ما يتعلق بالفحوص الطبية والتعامل مع الأسلحة وإطلاق النار وقراءة الخرائط، فقد منحتني الصحراء أساساً مدهشاً جعلني أتقن كل تلك الأمور.
كنت أسمع صوت والدي في عقلي وقلبي دائماً: ستكون مسؤولاً عن حماية الاتحاد! كانت تلك العبارة تمنحني طاقة غير طبيعية، حتى لو تطلب الأمر أن أبقى مستيقظاً طوال فترة التدريب القاسية لأتقن كل شيء، سأفعل من دون تردد. كل شيء بالنسبة لي يهون في سبيل وطني.
«غزو الشقيق».. نقطة تحول غيرت المنطقة
يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في أحد فصول «قصتي» الذي يحمل عنوان: «غزو الشقيق» قصة اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت، والآثار التي ترتبت على هذا الاجتياح، مؤكداً سموه أن غزو الكويت الغلطة التاريخية الكبرى التي غيرت وجه المنطقة للأبد، وتالياً نص القصة:
من أكثر الصدمات التي واجهتها في حياتي العسكرية الاجتياح العراقي لدولة الكويت. والكويت لم تكن بالنسبة لنا في الإمارات وفي دبي دولة أخرى، الكويت كانت في الحقيقة جزءاً من حياتنا. كانت جزءاً من حياة أغلب مواطنينا، من طفولتهم، من دراستهم في مدارسها، من علاجهم في عياداتها، حتى من حياتهم الاقتصادية.
لا يعرف الكثيرون أن «سوق مرشد» أحد أكثر الأسواق الشعبية شهرة، في دبي سمي على اسم رجل أعمال كويتي فاضل هو مرشد العصيمي، وان التعليم النظامي دخل دبي عن طريق مدرسين من الكويت، وان مشروع والدي الأكبر في منتصف الخمسينات لتوسعة الخور تم تمويله جزئياً بقرض مالي من الكويت، وان أول محطة تلفزيون بدبي كانت تلفزيون الكويت الذي كان يبث من دبي في عام 1969، وان مستشفى الكويت الذي تأسس في عام 1966 من أكبر المستشفيات التي خدمت مواطنينا، حتى اليوم. القائمة طويلة، والأفضال كثيرة، والأخوة بيننا وبين أهل الكويت عميقة واكبر من أن يفهمها الكثيرون، أو يزايد عليها المتربصون.
شكل غزو الكويت في 2 أغسطس من عام 1990 صدمة. أذكر أنني تأكدت ثلاث مرات من الضابط الذي نقل لي الخبر، نقلت النبأ لأخي الأكبر الشيخ مكتوم، ثم أمرت بإعلان حالة الطوارئ لجميع القوات الأمنية والعسكرية. تحدثت مع الشيخ زايد، فوجدته غاضباً وحزيناً في الوقت نفسه. كيف يمكن لصدام أن يفعل ذلك؟ وما هي خطوته التالية؟
لم نكن نتوقع أبداً أن يتجرأ صدام على غزو دولة شقيقة جارة ذات سيادة وقفت تاريخياً إلى جانبه. كان قرار صدام باجتياح الكويت صدمة للجميع، كما كان نقطة تحول غيرت المنطقة بأسرها.

تصدرت منطقتنا عناوين الصحف العالمية. بدأت العديد من الشركات العالمية تضع خططاً للانسحاب من المنطقة، وكما هو الحال في مثل هذه الأحداث، اندلعت موجة من الذعر عندما انتشر الخبر، فبدأ المستثمرون الدوليون يطالبون بسحب أموالهم من مصارفنا للخروج من منطقة الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن، اتصل بي مسؤولون من المطار يطلبون توجيهاتي بخصوص السيولة النقدية التي كانت تعبر المطار خارج البلاد، ويسألونني ما إذا كان عليهم إيقاف ذلك.
كانت إجابتي: لا أريد أن يتم توقيف أي شخص في المطار لإخراجه المال من الدولة، فليرحلوا إذا أرادوا، وبلغوا مسؤولي الجمارك بذلك.
أجابوا: لكن مصارفنا ستنهار.
فقلت: هذه هي التعليمات لكم، لا تمنعوا أحداً من إخراج أمواله.
بعد أسابيع قليلة على ذلك، رأينا الأشخاص أنفسهم يعودون مع أموالهم إلى دبي، لو حاولنا إيقافهم، لضاعفنا مخاوفهم وجعلناهم يعتقدون أن مصارفنا غير قادرة على الإيفاء بمستحقاتهم، كنا قادرين على إثبات أن الأموال لم تتغير في دبي.
استقبلنا في بلادنا عشرات الآلاف من أبناء الكويت الشقيقة، فتحنا لهم الفنادق والبنايات السكنية، والكثير من مواطنينا فتحوا لهم البيوت.
أصبحت مرافئنا جاهزة لسفن الحلفاء مع بدء عمليات «عاصفة الصحراء»، وهي العملية العسكرية التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 16 يناير 1991 لتحرير الكويت من القوات العراقية. أنشأنا المطارات العسكرية وجهزنا المرافئ والمستودعات للجيوش واستقبل ميناء جبل علي من سفن التحالف اكثر من أي ميناء آخر في المنطقة لأنه الأكبر والأكثر تجهيزاً.
أما قواتنا العسكرية فقد ساهمت بفعالية في دعم قوى التحالف من أجل تحرير الكويت. وسافرت شخصياً إلى مركز عمليات عاصفة الصحراء، عدة مرات. وكان من أولوياتي عند التعامل مع الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد قوات التحالف الدولي، الذي كان يقود أكثر من 900 ألف جندي من قوات التحالف، أن أجد طريقة للحد من حجم الخسائر لدى المدنيين. فلم يرغب شعب الكويت أو شعب العراق في الاجتياح، بل كان عملاً أرعن، وكنت حريصاً على ألا يدفع الشعب ثمن هذه الحماقة.
أجبر صدام على الانسحاب بعد عملية عسكرية ناجحة، وكانت القوات الإماراتية لها شرف أن تكون من أوائل القوات التي دخلت الكويت من أجل التحرير. للكويت أفضال، ولو طالت الحرب لبذلنا لها من أرواحنا وأبنائنا ما تحتاجه حتى التحرير. من أكثر المواقف الرجولية التي أذكرها مع حرب تحرير الكويت إعلان قواتنا المسلحة رغبتها في متطوعين من شباب الوطن. كان اندفاع المواطنين على مراكز التجنيد مذهلاً ومفرحاً ومبشراً بروح وطنية عالية تحتاجها الدول في أوقات الأزمات لتجاوزها، وفي أوقات السلم للبناء.
انتهى غزو الكويت بانسحاب مهين للقوات العراقية، لكن تلك لم تكن النهاية، بل البداية لحقبة جديدة في المنطقة عنوانها انهيار دولها الكبرى، وتفكك جيوشها العظمى. لقد كان غزو الكويت الغلطة التاريخية الكبرى التي غيرت وجه المنطقة للأبد.
«بحار.. صحراء.. سماء.. ورجال»..قوة الدفاع
يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في أحد فصول «قصتي» الذي يحمل عنوان: «بحار.. صحراء.. سماء.. ورجال» قصة تأسيس شرطة دبي، وتالياً نص القصة:
هناك مقولة شهيرة للعالم والفيلسوف والرسام العبقري ليوناردو دافنشي، يقول فيها: «البساطة هي أرقى درجات الاحترافية».
وأنا من أكبر المؤمنين بهذا المبدأ، لا يمكن أن تبسط خطة معقدة إلا إذا استوعبتها بشكل كامل أولاً، لا يمكن أن تشرح نظرية معقدة لطفل صغير إلا إذا فهمت تفاصيلها بشكل حقيقي، لا يمكن أن تكون لديك حكمة في الحياة إلا إذا استوعبت آلاف الحقائق والمواقف والعبر، ثم استطعت أن تختصرها بكلمات بسيطة يستطيع آلاف الناس استيعابها والاستفادة منها لتكون حكمة خالدة.
البساطة هي مهمة صعبة، من السهل أن تكتب رسالة مطولة تشرح فيها مشكلة مثلاً، ومن الصعب أن تختصرها في بيت شعر واحد..
من السهل أن تحشو آلاف الأوراق بخطط عظيمة للمستقبل. ومن الصعب أن تضعها في كلمات بسيطة يستطيع الشعب استيعابها، والإيمان بها، والوقوف خلفها، بل والتضحية من أجلها.
بعد تفكير عميق، وضعت خطتي في بناء قوة شرطة داخلية تمهيداً لبناء قوة الدفاع كالتالي: بحار، صحراء، سماء، رجال. لدي حدود بحرية تحتاج بشكل عاجل لحماية عن طريق قوارب سريعة، إضافة إلى مجموعة متنوعة من أجهزة الاتصال والرادارات: لدي صحراء والحدود البرية وحمايتها بالحصول سريعاً على مجموعات متنوعة من ناقلات الجند والدبابات وأجهزة الاتصال، وغيرها. ولدينا السماء والأجواء، وهي الأصعب والأكثر أهمية. وهي القوة الضاربة الحاسمة في أي صراع، أو حرب. والبداية ستكون بالتدريب على المقاتلات الحربية، ثم الانتقال لبناء القوة الجوية عندما تكون الظروف المالية مواتية. وفي كل محور من هذه المحاور هناك آلاف التفاصيل التي يتم التعامل معها، بناء على ما تلقيته من تدريبات، وما يمكن الحصول عليه من خبرات داخلية وخارجية.
المحور الأصعب في الخطة كان «الرجال»، وهم دائماً المحور الأهم والأكثر حسماً في أي عمل، في الجيش، أو الحكومة، أو القطاع الخاص. إذا لم تكن دقيقاً في اختيار مواردك البشرية، إذا لم تبن قدراتهم ومهاراتهم بشكل حقيقي، إذا لم تزودهم بقيم العمل التي تريدها، إذا أخفقت في تحفيزهم وبث روح الحماسة الدائمة فيهم، إذا لم تفعل كل ذلك فعملك محكوم بالفشل منذ اليوم الأول.
كان لدينا في أواخر الستينات عدد قليل لا يتجاوز العشرات من عناصر الشرطة في دبي، ومثلهم أيضاً في قوة دفاع دبي، كنت أريد أن أبدأ بقوة من ألف شخص على الأقل، ولكن لم أكن أريد أي ألف. كنت أريد ألفاً يكونون نواة لعشرات الآلاف ممن سيأتون بعدهم، كنت أريد ألفاً يستطيعون بناء كافة أفرع قواتنا المسلحة لاحقاً، كنت أريد ألفاً من النخبة. كان يهمني كثيراً صيت وسمعة هؤلاء النخبة داخل البلاد وخارجها. كنت أريد ألفاً بعشرة آلاف.
تم تأسيس قوة دفاع دبي في العام 1971، وأعلنت عن شواغر في القوة التي تألفت من ثلاث سرايا مشاة، وأعلنت أن القبول سيكون للأكثر كفاءة. وأطلقنا حملة كبيرة من بيت لبيت لتشجيع الناس على الانضمام، كما نظمنا القصائد للإشادة بهذه القوة القادمة، واستخدمنا ما استطعنا من وسائل للتحفيز وبث روح الوطنية، وبدأ العمل، توافد الشباب بالعشرات ثم المئات، وتم اختيار الأنسب والأكفأ، ووعدت المجندين بتعليم جيد أيضاً مع التدريب، إذ كان الكثير من الناس يعانون الأمية. وكان الشباب يريدون التعليم بشكل أساسي لإيمانهم بأهميته، فاستعنت بمعلمين من مدارس دبي لتغطية هذا الجانب في خطتي لبناء الرجال.
تركزت خطتي التدريبية معهم في ثلاثة محاور، بسطتها للجميع كالتالي: تدريب بدني، ومهارات عسكرية قتالية، وتعليم، وبدأنا بكل حماسة رحلة بناء الرجال.
قسمت يومهم، ووضعت لهم برنامجاً تدريبياً صارماً، تماماً كما كنت أتدرب في كلية مونز للضباط ببريطانيا، حيث يتم تقسيم اليوم إلى فترات متوازنة لتغطية كل المحاور، إلا أنني كيفت البرنامج وطورت فيه بناء على ظروفنا في دبي، كانت معنويات الرجال عالية، لأنني كنت معهم في كل مراحل التدريب، لن يسمع الرجال كلام قائد كسول. كنت أركض معهم، وأتعرق معهم، وآكل معهم. كنت حاضراً معهم في كل التدريبات القاسية، وأشرفت بنفسي على إعطائهم الزي المناسب، والتعليم المناسب، والخطط القتالية المناسبة. أعطيتهم كل ما لدي أيضاً من خبرة الصحراء التي تعلمتها من والدي قبل تدريبي العسكري النظامي.
أعطيتهم كل طاقتي، فأعطوني أفضل قوة فتاكة في تلك الفترة، كنت قائدهم الذي يدينون له بولاء ومحبة صادقة، وكانت سمعتي الطيبة تسبق أفعالي.
أذكر في بداية عملي أن المقيم السياسي البريطاني في الخليج قال لي: محمد، أنت لا تعرف شيئاً، سأستمر في إدارة هذا المنصب، وأي أسلحة تريد شراءها يجب أن تكون بريطانية الصنع، وكل شيء يجب أن يتم تحت إشرافي.
في صباح اليوم التالي، عندما وصل العميد إلى المكتب، كنت أنا في مكتبي، وكنت قد عينت رجلين من خارج المبنى مع تعليمات مشددة برفع جميع التقارير والأعمال مباشرة إلى مكتبي، ومع حلول وقت الغداء، كان العميد قد استطلع الأمر، وصلته الرسالة، وبعد فترة، أخلي مكتبه وترك لي المهام وحدي، وهكذا بدأت مسيرة تشكيل قوة قتالية لوطني.
واصلت العمل على مدار الساعة، كنت أبدأ تدريب الرجال في ساحة العرض في تمام الساعة الثامنة صباحاً، وخلال فترة ما بعد الظهيرة أقوم بتعليمهم، في الوقت نفسه الذي كنت أعمل فيه مع والدي قبل حضور المجلس معه، أما الليالي، فكانت أطول، كنتُ إذا سمعت جرس الهاتف، أجبتُ واقفاً، وما إن كنت أغير ملابسي للنوم بضع ساعات حتى أرتدي ملابس نظيفة، وأخرج مسرعاً للمهمة التالية، لم أكن أنعم بالسكينة في تلك الفترة من حياتي إلا في أمرين: الصلاة والتفكير بالخيول.
غير أن العمل الشاق قد آتى ثماره، ففي غضون عامين فقط، تضاعفت أعداد الشرطة، وقوة الدفاع بشكل كبير، وأصبحت لدينا قوة مدربة ضاربة: الألف رجل فيها بعشرة آلاف.
"قصتي" في أسواق الإمارات
دبي:"الخليج"
طرح في الأسواق، أمس، كتاب "قصتي" الذي أصدره صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهو كتابه الجديد، وأصبح في معظم منافذ البيع في الإمارات.
وحاز كتاب "قصتي"، اهتماماً كبيراً من الجميع وسارعت جميع الجهات المعنية إلى اقتنائه وعرضه، ليصبح في متناول الجمهور، لينهلوا من هذه القصص والتجارب الخلاقة، تتناقلها الأجيال إرثاً نابضاً بالحياة.
وأهدى صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أولى نسخ «قصتي» إلى صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي شكر سموّه على الإهداء قائلاً: «شكراً لمعلم الأجيال أخي محمد بن راشد؛ لإهدائي كتابك الجديد قصتي».
الوصايا العشر للإدارة الحكومية
نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، على تويتر «الوصايا العشر للإدارة الحكومية» التي تناولها سموه في كتابه «قصتي» ضمن باب كامل.




