دبي: الخليج

قبل عام، نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قصيدة بعنوان «كأس دبي العالمي»، مطلعها:

يا مَرحِبا بالخيلْ واللِّي مَعْ الخيلْ
                     أهلْ الشَّرَفْ والمرجلِهْ والمعالي
كسَّابَةْ الطّولاتْ جيلٍ ورا جيلْ
                     تاريخهمْ حافلْ بفَخرْ وجلالي.

وقبل أيام قليلة، أطلق المكتب الإعلامي لحكومة دبي، كتاب سموه «قصائدي في حب الخيل»، ضمن جلسة شعرية استضافها «ميدان»، وشارك فيها وزراء وشعراء ومثقفون وقيادات العمل الإعلامي العربي المشاركون في الدورة الثامنة عشرة لمنتدى الإعلام العربي، إضافة إلى عدد من ضيوف «كأس دبي العالمي».
وها هو سموه، وبمناسبة انطلاق النسخة الرابعة والعشرين من هذه المسابقة العالمية، التي تعتبر الكُبرى على مستوى العالم، يكتب قصيدة بالعنوان نفسه «كأس دبي العالمي»، التي يعبر فيها سموه من خلالها عن شغفه بالخيل، الخيل بمعانيها الكثيرة، حيث الإقدام، والفوز، والشجاعة، وكذلك القوة والصبر والتحمل، في مضمار السباق، وهذه كلها صفات ترتبط بقيم عظيمة ونبيلة، هي صنو عاشق الخيل الشاعر الفارس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والذي تتميز قصيدته الجديدة بقوة سبكها، وبغزارة التشبيهات، والاستعارات، والكنايات، وتتوفر لها كل فنون البلاغة.
يبدأ سموه قصيدته بقوله:

طابتِ الوَصلُ فالمدَى أفراحُ
                     وهَفَتْ صَوْبَ أرضها الأرواحُ

والوصل هو الاسم القديم لدبي؛ حيث تذكر كتب التاريخ أن دبي كانت سوقاً للعرب، وأرضاً طيبة، يؤمها السياح من كل حدب وصوب، وبالتالي فهي كانت مدينة كريمة كثيرة المال والرزق، تعيش ازدهاراً وخيراً ونماءً اقتصادياً لافتاً.. وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يستدعي دبي القديمة، تلك المدينة التي تشعّ فرحاً، وتزدان بالحيوية، حيث يعيش البشر في أجوائها، و في مساحاتها الرحبة، كل ألوان السعادة، فهي المدينة التي «هفت صوب أرضها الأرواح» كما يصفها سموه، ويا له من وصف، وأكثر من ذلك فإن «دبي» مكان يعود بالخير والفلاح، على كل من زار أرضها، وها هي تواصل مشوارها، مطمئنة إلى احتضان مسابقات عالمية، تبشر بالانتصار. يقول سموه:

وكذا الوصلُ كانَ إسماً قديماً
                     لدبيٍّ فيه العُلا والفلاحُ
تجمعُ الناسَ تجمعُ الخيرَ تُعطي
                     وإليها توافَدَ السُيَّاحُ

الخيل في القصيدة عزيزة كما يصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:

عزَّتِ الخيلُ في ثراها وفازتْ
                     وبها للخيولِ عزٌّ مُباحُ

كان للخيل في فهم العرب قديماً، طبائع وصفات، ومنها قوة الجسد، ناهيك عما جاء في وصفها في الخطاب القرآني، والحديث النبوي من ذكر لمحاسنها، ومن ذلك أنها مباركة، ومعقود في نواصيها الخير، والعزيزة هنا، تحمل من الصفات، ما يمكن حملها على كثير من المزايا التي تتمتع بها الخيل، والتي جاء الكثير من الكتب والموسوعات على ذكرها، فهي الكريمة، حين تهدي صاحبها الفوز، وهي القوية حين تحلق في الريح، وهي ذات مقدرة جسدية تذلل لها ركوب الريح.
وكل هذه الصفات والمزايا، يستوعبها بل ويعيشها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يعرف الخيل، ويهجس بحبها، فأنشأ لها مضماراً عالمياً يليق بها، هو بمنزلة عيدٍ سنوي؛ حيث يلتقي على أرض دبي فرسان من كافة بقاع العالم، ينشدون السباق والنصر:

منْ جميعِ البُلدانِ جاءوا إليها
                     ثُمَّ هاموا في حُبِّها واستراحوا

******

فهوَ عيدٌ يعودُ في كُلِّ عامٍ
                     يلتقي فيهِ منَ إليها أشاحوا

يعود سموه بعد ذلك إلى الحديث عن كأس دبي العالمي، هذه الكأس الفريدة من نوعها، فقد سبق وأشرنا إلى أنه يجمع خيرة فرسان العالم، وهو الأعلى والأرفع، والأقوى من حيث التنظيم، وأكثر من ذلك فإن سموه يوظفه في شرح فلسفته في الفوز، الذي قد لا يكون الربح، كسب السباق بعينه، قدر ما يكون هو المناسبة التي تجمع عشاق الخيل وتجمع «الفرسان» المشهود لهم بالبراعة، كل هؤلاء يشكلون «دافعية» و«قوة» يمكن أن يكون لها دلالات كبيرة في وعي الشاعر، ودبي التي نجحت بتنظيم هذه المسابقة كسبت رهاناً كبيراً، فهي تراهن على القيمة والأثر.
النصر في هذه المسابقة، له معانٍ شتى، فهو مرة حين تفوز بالمسابقة خيول إماراتية، وعلى رأسها خيول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فسموه يحتل منزلة رفيعة في أوساط سباقات الخيل، ورياضات الفروسية على مستوى العالم، ومرة أخرى هو نصر لأبطال كثيرين وأسماء خلدت في تاريخ المسابقة.. وهذا كله يمنح هذه الكأس تلك المكانة الاستثنائية، التي يضفي عليها مشهد تلك الحشود ما يمكن اعتباره سجلاً كبيراً يحتفي بالمسابقة، في قلب دبي الحاضنة لهذه الجماهير الغفيرة، التي تنشد السعادة المتوخاة؛ حيث العيش في رحابة السلم والخير والحب والوداعة، وهذه كلها علامات تؤشر أيضاً على النصر والنجاح.

يقول سموه:

كاسُها العالميّ كأسٌ فريد
                     عرفَتهُ الدُنيا وفيهِ النَّجاحُ
غيرَ أنَّا نفوزُ في كلِّ عامٍ
                     فاجتماعُ المُلاَّكِ فوزٌ متاحُ

هي إذاً، علامات النصر يعيها ويكتب عنها سموه، وكما يقول سلطان العميمي في قراءته لكتاب سموه الأخير عن الخيل: «إن من يقرأ قصائد سموه يجد فيها بشكل جليّ علاقته المميزة بالخيل، كما يجد تصويراً أدبياً وشعرياً رفيعاً وعبقرياً لها»، ويستدل على ذلك بقصيدة «الفارسة» لسموه فيقول: «إن صورة الخيل في أشعار سموه ترتبط بإبراز مجموعة من القيم هي: الفروسية، المنافسة، الفوز، الصدارة، العالمية، القوة والتحدي والإقدام والشجاعة، وهي الصور التي تتجسد في القصيدة الآنفة الذكر».. كما أكد أن علاقة سموه بالخيل جعلته يبدع في توصيفها في أشعاره بطريقة فريدة وبليغة جداً، واستخدم لذلك توصيفات مجازيّة عدة، جعلتها تشكل في أشعاره مجموعة من العوالم.
هذا ما نجده واضحاً بقوة في كل قصائد سموه عن الخيل، كما نجده حاضراً في قصيدته الجديدة، التي تحلق بالقارئ نحو فرادة شعرية لافتة، سواء على مستوى الصورة الشعرية، وأيضاً تلك اللغة العالية، التي تمتح من استعارات وتشبيهات المجاز، ما يجعلها قصيدة بارعة في تقديم كل ما يلزم من صور المفارقة والسحر والجاذبية.

لا أرَى الفوزَ أنْ نفوزَ بكأسٍ
                     معَ أنِّي خيلي مداها الرِّياحُ
فحضورُ الضُيوفِ فوزٌ كبيرٌ
                     هُوَ فوزٌ قلبي لهُ يرتاحُ

ثمة دلالات كبيرة في هذه القصيدة الجديدة لسموه، تتجلى بروعة وسحر كاتبها، وهو يكشف عن غزارة في وصف الخيل، و يسجل في كل مرة يكتب فيها عن الخيل، أنه يرتفع إلى ذرى عالية وشامخة، و ليس غريباً على سموه أن يكون فهمه للفروسية محلقاً كما الخيل التي تحلق في الريح.
تلك إذاً، خيل الشاعر وفرس الفارس، يختتم سموه القصيدة بصورة مبهجة مترعة بالسعادة:

وبِهِ كانَ لي سرورٌ عظيمٌ
                     وبِهِ ملؤُ صدريَ الإنشراحُ
وغرامي بالخيلِ حبٌّ قديمٌ
                     فهيَ عندي شوقٌ ورَوْحٌ وراحُ

خيلي مداها الرياح

«المحرر الثقافي»

يجمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بين الشعر والفروسية والحكم والتدبير القيادي الناجح، المتطلع دائماً إلى المستقبل والتفاؤل والتفوق.
الشعر بثقافته وجمالياته، سواء النبطي أو الفصيح، مُكوِّن ثقافي تربوي نفسي ضمن مكونات شخصية سموه، الذي يضع نصب عينيه دائماً، الثقافة الإيجابية والفكر الإيجابي، وسموه يكتب الشعر ويقوله ويعيشه بروحية رجل عارف بتاريخ هذا الإبداع الأصيل، الذي رفعته الثقافة العربية إلى مستوى «ديوان العرب» الجامع والموحِّد للوجدان العربي، وأكثر من ذلك، فإن ديوان العرب هو هوية وشخصية وكينونة إبداعية متجددة.
شعرية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي شعرية المكان الإماراتي أولاً، بكل تفاصيله وتراثه وأصالته، وهي شعرية إنسان المكان المشدود إلى موروث شعبي وثقافة شعبية يعود إليهما دائماً، بوصفهما الجذور والأصول، ومن هنا يصبح الشعر صورة مطابقة للمكان وللإنسان، بكل شفافية وبكل أمانة.
يكتب سموه دائماً بلغة سهلة، لكنها عميقة صافية معبِّرة، ويكتب منطلقاً في إبداعيته الشعرية من فكر صافٍ، وحيوية قلبية، وروح متسامحة.
بمعنى آخر، تكمن وراء شعرية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أخلاقيات الحاكم والشاعر والفارس، التي تجعل من تجربته الأدبية المتجددة والغزيرة، علامة مرئية في خريطة الشعر العربي الحديث.
كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في أكثر من غرض شعري.. كتب في الوطنيات، وكتب في ما هو قلبي عاطفي نظيف، وكتب في ما هو مجتمعي وإنساني، كتب بلغة الفخر، وكتب بلغة النصر، وكتب بلغة الجار والصديق والأخ والمحب، وكتب في أغراض شعرية صرفة مثل المجاراة، وفي كل غرض كان مجدداً ونابضاً بالصدق والثقة والجمال، لكن أكثر ما كتب فيه سموه، هو كتابته في الخيل والفروسية، فهذه في حد ذاتها شخصية إبداعية شعرية مستقلة لسموه.
شعريات الخيل عند سموه، هي شعريات الكرم والشجاعة والنبل والنخوة والشهامة، فكل ما هو نبيل نجده في خلق الخيل وسلوكه، الذي يرقى إلى ما يشبه سلوك الإنسان الفارس، أو ربما يتطابق سلوك الخيل مع سلوك الإنسان في ملتقيات نفسية تلقائية فطرية.
الغرض الشعري؛ بل الشغف الشعري بالخيل، هو ظاهرة أدبية إنسانية روحية عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والقارئ لنتاج هذا الشاعر الفارس، يستطيع معاينة هذه الظاهرة الأدبية التي تستحق القراءة النقدية الحرفية لوضعها في سياقها الإبداعي الجديرة به في الثقافة العربية.
في قصيدته «الفروسية» الجديدة «كأس دبي العالمي»، يستكمل شاعر الخيل الأصيل والنبيل، ظاهرته الأدبية بصور شعرية مشتقة من نبل الخيل وكرمه، وسلوكه وجماله وكبريائه، فالخيل ترمز للفوز، والخيل ترمز للسبق، والخيل ترمز للعز، والخيل ترمز للجاه، والخيل ترمز للفرح، والخيل ترمز للوصل، والوصل دبي، والفروسية في دبي، والضيف مُكرَّم ومرحب به في دبي، والشعر بحره بحر دبي، والقصيدة لؤلؤة، واللؤلؤة دبي.
هذه الصور، أعلاه، تنثال وتتداعى من بين السطور. صور شعرية مباشرة، وصور شعرية غير مباشرة. صور حية تماماً تلتقي مع حيوية الخيل نفسها.. الحيوية التي تبعث دائماً على التفاؤل.
نعم.. الخيل تفاؤل، والخيل خير، والخيل نبوغ، والخيل نبل، وخيل محمد بن راشد مداها الرياح.. خيل فارس دبي لا تقبل إلا الفوز، كأنها تسمع ضمير خيّالها وتستجيب له بلغة الواقع، ولغة المجاز ولغة الفرح، والخيل هي الشوق.

.. وغرامي بالخيل حب قديم
فهي عندي شوق وروح وراح

إذاً، هو الحب القديم لهذا الكائن الكبريائي والجمالي. حب يُعبِّر عن أصالة وتمسك فطري بالتراث والتاريخ، فمن رموز التراث الخيل، ومن رموز التاريخ الخيل، ومن رموز الأصالة الخيل.
هذا جزء محدود من قراءة شعريةِ محمد بن راشد الفروسية، من خلال هذا النص الناعم الهادئ، الذي تلتقي فيه شعبية القصيدة النبطية، مع بلاغة القصيدة الفصيحة، وهي نقطة جديرة بالاهتمام والنظر النقدي البحثي، الذي يستقصي بأمانة كيف يمزج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بين الفصحى والشعبي في النص الواحد، وببلاغة فروسية أيضاً.