نتوقف عند عنوان قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو «دهنْ عودْ» الذي يشكل عتبة أولى للقصيدة، تصف المحبوب، فتشمله بهالة من الملاحة والرائحة العطرة، ومثل هذا المدخل ولنقل الوصف الذي يبتدئ به الشاعر قصيدته، هو مدخل لافت للكشف عن ملاحة المحبوب، وشدة تأثيره في المحب. بهذه العلاقة التي تشكل مدخلاً مهماً في القصيدة، يؤكد سموه أوصاف المحبوب منذ البيت الأول، فهو أولاً يتميز بلفظ جميل، له مذاق العسل، فأي تشبيه، هذا الذي يقرن بين اللفظ أو الكلام، وبين العسل في لذة تذوقه.
إنه مدخل مدهش، يفضي إلى مزيد من الملاحة في وصف المحب للمحبوب، وهو مدخل يعبر عن سحر المحبوب حين يباشر الكلام، أو يستطرد فيه، فيصل إلى مرحلة الحديث.
هنا، تبدأ عتبة أخرى من عتبات الكلام، حين تبدأ قصيدة سموه بترجمة هذا الإحساس الدافئ إلى إبداع في القول الشعري حين يقول:
وأنا آذوقْ اللِّي تقولْ وأشمِّهْ
متخلِّينْ بكْ خوفْ واشينْ وحْسودْ
ثمة علاقة طردية بين القول - قول المحبوب - وتأثر المحب، وهو الشاعر هنا، حين تتم ترجمة هذا التأثير إلى حاسة ذوق تتبعها حاسة شم، وهذا الكلام الذي يصدر عن المحبوب، ينتقل في وجدان الشاعر، فيستولي على مشاعره، فها هي حواسه تتحرك، إن استخدام حاستي الذوق والشم تكفيان، لتعبرا عن الحالة التي يعيشها الشاعر، الذي يعيش هذه اللحظة الشجية، وها هو يداهمه إحساس يؤكد عذوبة اللحظة، فينتشي بها، فيقوم بطمأنة المحبوب، ويحثه على أن يسترسل في حديثه العذب، وأن لا يخشى شيئاً، من الواشين أو الحساد.
بل إن الشاعر هنا، وهو في غمرة اشتعال حواسه وشدة تأثره هذا، يدخل في مرحلة جديدة من الوعي، ليطمئن محبوبه مرة أخرى، بقول فصل لا ثاني له، حين يؤكد للمحبوب أنه لن يسمح لأحد بأن يشاركه ما تأصل في وجدانه وعواطفه، وأكثر من ذلك، فلا مجال لأحد أن ينافس المحب على المحبوب، فكيف إذا كان هذا المحب فارساً وعاشقاً، لا مجال للمنافسة هنا، كما أن المحبوب قد اطمأن إلى صدق المحب، الذي سوف يدافع عن محبوبه، وهو بكل تأكيد، لن يسمح لأي كان أن يقترب منه، يقول سموه:
لولي شريك فيك بيسيح دمه
في البيت الذي يليه، يستخدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم صيغة من صيغ المجاز الشعري، الذي أبدع سموه في رسمه، سيما حين يقارن بين البدر والمحبوب، فترجح كفة المحبوب على البدر في صفائه، فالبدر، كما تشير القصيدة، هو وقتي النور، أو مؤقت الإنارة والضوء، فيما المحبوب يشع بنور سرمدي لا يزول، ورشاقة دائمة لا حدود لها.
قالوا شبيه البدر بالزين مفنود
لا والله انك يا أريش العين عمه
يستكمل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته باستكمال توصيف المحبوب، حين يؤكد تفوقه على البدر، فالبدر يستمر ضوؤه لنصف الشهر، بعد ذلك ينتهي ضوؤه ويتلاشى، فيما المحبوب الموصوف لا يغادره الضوء، بل يلازمه فيضيء من حوله بهذا البهاء وهذه الهالة التي تنتشر في الأجواء، فتغمر هذه الأجواء بعطر نفاذ هو «دهن العود»، كما تغمره بضوء شفيف، المحبوب في القصيدة بكل تأكيد كامل في الوصف، يتجول في الأرجاء فيستولي على المشاعر، فيصيب كل من يشاهده، أو يحادثه أو يسامره، وهو الشاعر هنا، بلحظات عزّ نظيرها، لا تزول بغياب المحبوب أو حضوره، دلالة على قوة التأثير وسطوة الوجد وصدق العاطفة.. التي يترجمها الشاعر في نهاية المطاف بقفلة شعرية بارعة، حين تستولي عليه اللحظة الشعرية.
المحرر الثقافي
