هناك من سماهم سقراط «السقّاؤون» في التاريخ والذين يمدونه كلما هددّه الجفاف بما يطفئ ولو قليلاً من الظمأ، إنهم شعراء وحكماء وفنانون يواصلون أعمالهم بصمت، ويرون أن مبرر قدومهم إلى هذا الكوكب، هو تحسين صورته والتخفيف ما أمكن من الشقاء الذي يلحق بالبشر خصوصاً ما يأتي خارج إرادتهم، والسقاؤون يشبهون إلى حد كبير، من كرسوا حياتهم لمقاومة التصحر بمختلف دلالاته، فهو ليس حكراً على شحّ الماء، فقد يصبح معنوياً وأخلاقياً، وتبطل من خلاله مفاعيل ذات نفوذ هائل على الحاضر والمستقبل معاً.
وأذكر هنا أن أحد علماء الطبيعة والأحياء كان يعيش حياة هانئة في طبيعة ثرية وربما لم يعرف العطش مرة واحدة في حياته، لكنه قرر دراسة ظاهرة التصحر في مناطق بعيدة عن وطنه، وأول ما أثار انتباهه شكل الأزهار الصحراوية، فهي قصيرة ولها خزانات ماء صغيرة، لكنها تتضخم عند الجذوع، وسرعان ما أدرك أنها استراتيجية طبيعية للحفاظ على الماء. ولم يكن وجود الشوك عليها بشكل ملحوظ ومتكرر، إلاّ دفاعاً عن الماء الذي تختزنه، فما أن تقترب من يد إنسان أو حيوان حتى تتحرك دفاعاتها مستخدمة الشوك.
وما كانت تقوله الأغاني الرومانسية عن وديان الصحارى وواحاتها، ثبت أخيراً أنه كان قراءة واقعية لحاجة البشر إلى الماء، وأن تنقلهم وراءه ليس استجابة للحب والبحث عن أطلاله فقط، فهناك أسباب تتخطى الرومانسي إلى الواقعي، فخزان زهيرة الصبار التي تحملها الأشواك من كل الجوانب نموذج للإحساس بأن الطبيعة لا تمنح خيراتها بالمجان، وإذا منحتها فذلك لبعض الوقت، وعلى الإنسان أن يفكر بعد ذلك عن وعده في حراسة ما يعتقد أنه خلق من أجله والدفاع عن استمراره. وإذا كان الإنسان قد عرف نوعاً من الحروب هي حروب الماء لكن تحت أسماء مختلفة، فإن الحيوان أيضاً شهد مثل هذه الحروب؛ لأن ميدانها ومجالاتها من صميم الوجود البشري؛ بل هي مصيرية لا تقبل المراوغة وانتصارها حياة وموتها هزيمة!.
أشقى الحروب وأبرأها!
11 سبتمبر 2018 04:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 سبتمبر 04:15 2018
شارك
خيري منصور