خيري منصور
خطاب الإصلاح الذي يصدر عن البعض ممن يضعون قدماً في القرن التاسع عشر وقدماً في القرن الحادي والعشرين هو أقرب إلى الترميم من الإصلاح، لأنه يحاول تمديد أعمارٍ لمفاهيم ورؤى ربما كانت صالحة في زمنها وفي السياقات التي تحيط بها وتتفاعل معها. والفارق بين الترميم والإصلاح يتلخص في أن الترميم يحاول إعادة القديم إلى ما كان عليه، قبل أن تتولى عوامل التعرية قَضْمَه، بينما الإصلاح هو البحث عن الخلل وتشخيصه أولاً بدقة، ومن ثم معالجته حتى لو تطلب ذلك بتر ما فسد منه، ولم تعد الدورة الدموية تصل إليه!
لهذا فخطاب الترميم محافظ، ويرتاب من كل جديد كما لو أنه من البدع غير المرغوب فيها، أما خطاب الإصلاح فهو يعترف بدءاً بأن هناك أخطاء وثغرات تحتاج إلى إعادة نظر. وقد أراحتنا الأبجدية بعبقريتها حين جعلت من الصالح نقيضاً للطالع، ما يعني أن الإصلاح بحد ذاته ليس كما يتصور الغلاة من الراديكاليين هو مجرد إمساك للعصا من الوسط.
فالنهضويون والتنويريون من كل الأجناس والثقافات إصلاحيون بامتياز، لأنهم لا يعلنون القطيعة أو الطلاق البائن مع الماضي برمته، بل يرون فيه ما يستحق التجديد لأن جوهره لا يصدأ ولا تنتهي مفاعيله لمجرد أنه مضى!
لكن من رأوا في الماضي حمولة ثقيلة وعبئاً وحكموا عليه بشكل جائر يتوهمون بأنهم يبدأون من الصفر أو أول السطر في كتاب التاريخ، لهذا انتهت التيارات الراديكالية إلى العدمية السياسية والفوضى غير الخلاقة، لأن الشجرة لا تعيش بعيداً عن جذورها وكذلك البشر!
وقد يليق الترميم بتمثال أو مومياء، لكنه لا يليق بالحراك الإنساني الذي يخضع لمقولة مأثورة هي: لكل زمان دولة ورجال، وما من تطور لا يؤدي بالضرورة إلى متغيرات سواء في أنماط التفكير أو الممارسات.
إن مصطلح الإصلاح بحاجة إلى إعادة اعتبار بعد أن أصبح بالنسبة للبعض مرادفاً للترميم!