خيري منصور

هناك مثقفون وفنانون تضيّق الحاجة رؤاهم ويبحثون عن فرصة عمل قد لا يجدونها إلا في مؤسسات سياسية لها أهدافها وتوجهاتها، فيجد هؤلاء أنفسهم محاصرين بمواقف لا تخصهم، بحيث تصبح العودة عن القرار بمثابة موقف سياسي، ويصبح الاستمرار تورطاً لا ناقة ولا بعير لمن يسير فيه حتى النهاية.
ففي عالمنا العربي لم نمر بمرحلة تكون معايير الاختيار والمفاضلة بين المهارات مكتفية بذاتها لأن الموضوعية في مثل هذه المجالات لا تتحقق بسهولة، فالإنسان في نهاية المطاف ليس معصوماً، وله أهواء، وحين تدرس البطالة وما تفرزه ويتعلق بها من قضايا نادراً ما يتذكر الباحثون تفاصيل تبدو هامشية لكنها فاعلة وذات نفوذ نفسي ومعنوي. والإعلامي الذي اضطرته البطالة لقبول ما لا يقبل في الظروف العادية لا يكون متحمساً لعمله لأنه ليس متناغماً معه وقد يعجز عن التأقلم. وما يسمى الرجل غير المناسب هو ما سوف ينتهي إليه الرجل الذي يقرر أن يعمل ليعيش فقط، ومن المعروف أن مصطلح الرجل غير المناسب شاع خلال الفترة السوفييتية، وثمة من ذهبوا بعيداً وقالوا إن هذه الظاهرة كانت من أسباب تفكيك الاتحاد وانهياره. والبطالة لا تتيح لأحد سواء كان موظفاً أو إعلامياً أو فناناً رفاهية الاختيار، وهذا ما يلتفت إليه الناس أحياناً فيطالبوه بالالتزام الفكري والسياسي أيضاً مع المؤسسة التي اختار العمل بها، لكن بمرور الوقت تتسع الفجوة بين الإنسان والسياقات التي يعمل بها وينتهي الأمر إلى فشل كانت البطالة أحد أهم أسبابه لأنها فرضت شروطها ولم تقبل بأي شرط للطرف الآخر. لكن هذه المسألة محكومة بمؤسسات قد لا تضحّي بالولاء على حساب الكفاءة، وإذا كان الكثير من المثقفين والفنانين لا يعمرون في وظائفهم فالسبب هو سوء فهم مُتبادل. وما خلقته بعض الأحزاب والمؤسسات التي تحركها الإيديولوجيا من التباسات في هذا المجال جعل الأطراف تخسر بالتساوي، ولحسن الحظ أن المفارقة بين منسوب المهارة ومنسوب الولاء بدأت تتجه لصالح الكفاءة.

[email protected]