والمذكرات التي تنشر في أيامنا متفاوتة من حيث منسوب الصدق وجودة التعبير، فهناك من يؤلفون المذكرات، أي يعيدون إنتاج الماضي وفق ما يرغبون، خصوصاً إذا كان أبطال المشهد غائبين، ومعظم من يكتبون المذكرات يبحثون عن كتّاب محترفين لصياغة أفكارهم، بحيث تبدو المسألة، كما لو أن هناك ذاكرة معروضة للإيجار، فمن يتولى الكتابة يتقمص صاحب المذكرات، وبالتالي تصطبغ الأحداث باللون الذي يريده، وحكاية التشكيك بصدقية ما يكتب من مذكرات ليست جديدة، وبالرغم من اعتبار مذكرات القديس اوغسطين، أو جان جاك روسو نموذجية في الجرأة على البوح، إلا أن هناك من المؤرخين من قال أنهما أضاءا زوايا من المشهد من أجل تعتيم زوايا أخرى، فالإنسان لا يجهر بكل ما لديه، وهناك أسرار تدفن مع أصحابها إلى الأبد.
وكتّاب المذكرات ليست كما يتصور البعض مجرد نمط من التاريخ، وهناك كتاب وكاتبات كانت مذكراتهم أهم ما أنتجوا في حياتهم ومنهم شاتوبريان والكاتبة ماري شكريتسف وراقص البالية الروسي فازلاف نجنسكي، ومن العرب محمد شكري في كتابه الذي تعرض للمصادرة عدة مرات، وهو «الخبز الحافي».
إن الصدق والنزاهة شرطان للمذكرات الجديرة بالبقاء، أما الذاكرة المعروضة للإيجار فهي نفخ في الرماد.
خيري منصور
ذاكرة للإيجار
22 أغسطس 2017 03:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 أغسطس 03:09 2017
شارك
ستبقى كتب المذكرات الأكثر اجتذاباً لفضول القراء، ليس فقط لأن من يكتبونها هم على الأغلب من المشاهير وصانعي القرار أو المقربين منهم، بل لأنها توحي لمن يقرأها بأنها أحداث وقعت بالفعل، وليست متخيلة كما يحدث في الروايات، والإنسان بفطرته لديه نزوع نحو اكتشاف أسرار الآخرين، بدءاً من التلصص حتى النميمة، لكن القراءة تبقى الطريقة المشروعة للتعرف إلى أسرار الناس، وهناك مواسم لنشر المذكرات خصوصاً السياسي منها، سواء كان ذلك في أعقاب حروب طويلة وضارية كحروب الخليج الثلاث أو من قبلها حرب عام 1967، أو الحربان العالميتان في النصف الأول من القرن الماضي.