خيري منصور

تزدهر الشيطنة المتبادلة إعلامياً وسياسياً وحتى اجتماعياً في مراحل يسود التوتر مجمل نسيجها، ويتراجع التسامح؛ لأسباب ثأرية، فما يُسمى مراحل انتقالية في الحراكات السياسية يتحول على الفور إلى مرحلة انتقامية، وتصبح المسألة كلها تصفية حسابات؛ لكن هذا الأسلوب الأقرب إلى العدمية والتوحش تراجع في فترات أفاق فيها الرأي العام من غيبوبة، ومن التلاعب به، ولم يعد ممكناً أن يشيطن إنساناً آخر بمعزل عن حيثيات وقرائن، خصوصاً بعد أن أصبح للقانون نفوذه، ولم يعد كل شيء مباحاً بلا أية روادع.
وعالمنا العربي عرف مثل هذه الثقافة منذ زمن طويل، فهي لم تبدأ مع الإعلام والسجالات السياسية؛ بل مع النزاعات الدينية والفقهية، وما انتهت مذاهب النبذ والإقصاء والتكفير من ردود أفعال. والمتطرف ينتج بالضرورة تطرفاً مضاداً؛ لأن المنطق يتراجع لمصلحة التفكير الانفعالي؛ لكن الشيطنة المتبادلة لا تبقى محصورة في نطاق أفراد أو حتى أحزاب وطوائف؛ لأنها بالانتشار تصبح مناخاً سائداً وثقافة مقررة، وتصبح ممارستها مشروعة فقط لأناس تأقلموا معها ومع أدبياتها.
وقد يكون ما قاله ماكين عضو الكونجرس الجمهوري عن الرئيس ترامب عشية ترشحه للرئاسة عينة من الشيطنة السياسية، فقد رأى أنه لا يصلح لشيء على الإطلاق، رغم أنه جمهوري مثله، وإذا كان اضطر أخيراً إلى الصمت فذلك على طريقة ما قاله شاعرنا المتنبي، وهو العدو الذي ما من صداقته بدّ؛ لكن ماكين رحل ولم تدفن معه آراؤه السياسية. فقد كان أكثر من مجرد عضو كونجرس، واستثمر سيرته الذاتية شبه الاستثنائية في العديد من المواقف، فهو محارب طيار في الحرب الفيتنامية أصيب عدة مرات وهو أيضاً راديكالي قدر الموقف من أمريكا وليس من أفراد يرمزون إليها.

[email protected]